تاريخ اليوم الأحد 29/05/2022

لم يتبقَ في ظهري مكان للطعن!

26 يناير 2022
د. عبدالله يوسف سهر
يقول الشاعر سعد صالح المطرفي:
أنا الذي من كثرة الطيبه أمَّـنْـت
لا تفتخر بطعونك الـ لا نبيله،،،
حتى أنت ما تقدر لو إن إنت ما منت
طعن الظهر للمنطعن مو فشيله،،،
فشيلة الطعنه تراها عليك أنت
كتب التاريخ تمتلئ بأروع القصص، وأكثرها إثارة هي تلك التي تتضمن الخيانة والغدر اللتين تجسدان مقولة «الطعن بالظهر»! فمنذ أن أطلق الامبراطور يوليوس مقولته الشهيرة لأحد أقربائه وهو بروتوس بعدما طعنه في ظهره قائلاً «حتى انت يا بروتوس»، ويهودا الاسخرطوطي الذي وشى بصديقه النبي عيسى ابن مريم مقابل 30 قطعة فضة، مروراً بقصة أبو رغال الذي وشى باخوة ترابه من العرب لدى ابرهة الحبشي عندما قصد هدم الكعبة، ومير جعفر الذي باع الهند لبريطانيا غدرا بشعبه، وصاحب علامة التقاطع المزدوج Double cross التي وضعها جوناثان وايلد أشهر مجرم إنجليزي، وماتا هاري التي بسبب خيانتها مات خمسون ألفاً في الحرب العالمية الثانية، وانتهاء بالتجارب التي نعايشها في وقتنا الراهن.. في كل تلك التجارب تنبري أمام أنظارنا دماء طعنات الظهر المؤلمة ممن كنا نعتقد بأنهم أخلص الناس. 
وتتجسد الخيانة والغدر بأعتى أشكالها عندما تتحول إلى مجرد وجهة نظر تحملها الكلمات وتختلط بها التبريرات ويتراقص حولها مطبلون من ذوي الشعارات. هكذا تبدأ حكايات الغدر والطعن بالظهر وتنتهي كعبر لمن يعتبر. في كل تلك المآثر يعتقد الطاعن أنه ذكي مقتنص للفرص بينما هو في الحقيقة مجرد غادر عابر إلى جحيم لعنات التاريخ. إن سكين الغدر لا يمكن أن تصلح للحرب أو في السلم بل هي مدعاة للارتداد يوماً ما حيث يظهر من حملها مخلداً في التاريخ كخائن وهو يبحث عن ظل يقيه حرارة العار والشنار. إن الطاعن بالظهر لا يقوى على المواجهة لأنه فاقد للفروسية لذلك يلجأ الى التخفي خلف الستار ليعيش دوماً في الظلام والخوف منتظراً الفرصة لتوجيه الطعن غدراً. وإن كانت طعنات السنان تدمي الجسد وقد تقود للموت ولكن ما اقتل منها هو الطعن السياسي الذي يسقط الأقنعة ويظهر حقيقة الأوجه أمام العلن ليحفرها التاريخ على صخوره التي لا يخفيها الزمن. من يعمل بجد وإخلاص قاصدًا الاإصلاح لابد وأن يوجد له أعداء وخصوم ممن يرجون زخارف الدنيا، فلا عجب أن توجه لهؤلاء الطعنات بالاظهر. لقد قبلنا أن نعمل وتوقعنا أن نُطعن كسائر الناس إيماناً بأنها سنة من سنن الله المكتوبة على الأوفياء، لكن بعد شقاء العمر قد تقنفذت ظهورنا ولم يعد فيه مكان للطعن، فعذرا أيها المرتقب للطعن اصبر لعلك تظفر بظهر جديد أو بعد التئام جرح غائر لتغرس به خنجرك الغادر، ولكن ثق وتيقن بأنك ستعيش وتخلد مع الخونة والغادرين وستعيش خائفاً وستموت يوماً ما مطعوناً مذموماً مدحوراً. أما أنت أيها المطعون فاعلم حينما يطعنك أحدهم بظهرك فإنك بالمقدمة وما عليك إلا المضي قدماً، ولا تفكر بالتضحية قيد أنملة من فروسيتك من أجل انتصار رخيص، ولا تلتفت لمن لا يستحق منك التفاف رأسك المرفوع.