تاريخ اليوم الأربعاء 04/08/2021

هبوط تصنيف جامعة الكويت.. مسؤولية من؟

12 يونيو 2021
د. عبدالله يوسف سهر
منذ أن انتميت إلى جامعة الكويت كعضو هيئة تدريس في عام 1994 كتبت عشرات المقالات المنشورة في الصحافة، فضلا عن المئات من التصريحات والمقابلات التي قمت بها عندما كنت عضواً ورئيساً لجمعية أعضاء هيئة التدريس، بالإضافة إلى تدوين عشرات التقارير والرسائل لجهات الاختصاص في السلطتين التنفيذية والتشريعية، جميعها تناولت المشاكل التي تعاني منها جامعة الكويت في حينها وتداعياتها المستقبلية التي نشهدها اليوم. لم أكن الوحيد الذي فعل ذلك بل سبقني إليه أساتذة أفاضل كبار عايشوا جامعة الكويت واعتركوا تحدياتها منذ ولادتها كالدكتور خالد الوسمي في مقاله الذي لا يزال يرن في صدى التاريخ بعنوان «جامعة التراحيل تعاني من نشأة الخلق» والدكتور محمد المهيني حينما وضع كتابين، الأول كان بعنوان « الإدارة الجامعية» المنشور في عام 1984 والثاني بعنوان «قضايا التربوية» المنشور في عام 1978، وثق بها تلك المشاكل منذ السبعينيات والتي لايزال الكثير منها قائم بسبب ما اطلق عليه بفساد قوى التعليم. هذا ناهيك عن، عشرات التصريحات التي أطلقها الدكتور إبراهيم الحمود رئيس جمعية أعضاء هيئة التدريس الحالي، والتي وثق فيها التحديات والمشاكل القائمة والباحثة عن حلول جذرية لها.
على الرغم من تحفظنا على طريقة تصنيف جامعة الكويت لكون بعض المعايير لا تنطبق عليها مثل نسبة الطلبة والأساتذة الوافدين إلى المواطنين، وتقصير جامعة الكويت في تزويد بعض المؤسسات التي تقوم بالتصنيف بالبيانات اللازمة والمحدثة،
وعدم «وجود ميزانية» لدى الجامعة لاستقبال وفود التقييم مما يجعلهم يلجأون إلى طرق غير موضوعية لاحتساب المعايير، وغير ذلك، إلا أن ذلك لا يعني بأن ليس هنالك انحدارا مؤسسيا في أداء جامعة الكويت! بل يتعين الاعتراف به والحديث عنه بشفافية تامة.
إن أحد الأسباب الرئيسية خلف هذا الانحدار هو تواضع أداء الكثير من الإدارات الجامعية المتعاقبة، والذي تم توثيقه بشكل جيد لمن يطرق باب الحقيقة. والسبب في ذلك يقع في سوء اختيار القيادات الجامعية التي عادة ما تتم عبر وسائط سياسية ومعايير لا تتصل بالأكاديمية بصلة. كما أن ضعف المراقبة من قبل السلطتين التنفيذية والتشريعية على أداء تلك الإدارات وعدم وجود نظام تقييمي لها يمثل أحد المكامن الرئيسية التي يتعين التوقف عندها والإمعان بها. إن اختيار مدير للجامعة، على سبيل المثال لا الحصر، لم يكن قراراً فنياً بل كان سياسياً بامتياز. ولعل الكثير من اللجان التي تم تعيينها لاختيار المدير قد تمت بناء على مواصفات محددة حتى يتم ضمان مخرجاتها! بل وحتى أن بعض هذه اللجان لم تختر المدير الذي تم تعيينه! والأخير يقوم بتعيين النواب ومساعديهم بناء على مقاربات شخصانية لا تمت بالمعايير العلمية بصلة. أما اختيار عمداء الكليات فالكثير منها عبر لجان تم اختيار شخوصها «بعناية فائقة» لضمان ترشيح «أحدهم» للمنصب. مجالس الجامعة، من جهة أخرى، التي يهيمن عليها العمداء والمدير الذين تم تعيين الكثير منهم بالطرق ذاتها لم يتخذوا قراراتهم بالشكل المطلوب. ولتلك الأسباب لم تركن الجامعة الى المؤسسية الأكاديمية كما رسمها القانون السابق للجامعة. إن التغيير في البناء القانوني والهيكلي للجامعة من خلال التفسيرات الهزلية لقانون الجامعة القديم رقم 29 لسنة 1966 واستصدار لوائح ونظم لم ينزل الله بها من سلطان قد
حولت جامعة الكويت من مؤسسة تكنوقراطية ديناميكية إلى مؤسسة بيروقراطية جامدة. والكثير من اللوائح والقرارات التي اتخذت من خلال ما أطلق عليه بلجنة العمداء التي لم يكن لها وجود بالقانون، حيث كان يشوبها الغموض وتكتنفها الأخطاء. لقد تحولت المؤسسة الأكاديمية إلى مرتع لتبادل المصالح والمقاعد بين بعض المتنفذين سياسيا وحزبياً بحيث سيطروا على الكثير من المناصب الأكاديمية واللجان المهمة وتناوبوا على الأغلب منها بشكل يثير الاشمئزاز في ظل سكوت وصمت من قبل المؤسستين التشريعية والتنفيذية! وما زاد هذه المشاكل حدة هو الاحتراب والتنافس والصراع الذي تم بين بعض أعضاء هيئة التدريس مما أدى إلى طرائق للانتقام الوظيفي في بعض الحالات التي انتهت إلى المحاكم. فعلى سبيل المثال لا الحصر أصدرت الإدارة الجامعية ما يسمى بميثاق جامعة الكويت المتناقض مع حرية التعبير والبحث العلمي قبل حوالي 12 عاماً وفقاً للقرار الإداري رقم 1605 الصادر بتاريخ 29 -12 2009. وهذا الميثاق كان عبارة عن محاولة لتضييق الخناق على كل من يعبر عن رأيه ناقداً لبعض الممارسات في الجامعة، فيما تم تسويق التهديدات من قبل البعض تحت عنوان إذاعة أخبار كاذبة. إن الحرية هي الأساس والركن الركين للمؤسسات العلمية فإن غابت أو غيبت فلن يكون هناك علم ولا إبداع. إن معاقبة
عضو هيئة تدريس بأشكال متعددة غدا حالة ظاهرة لدى الكثير من الزملاء بالجامعة خاصة عندما يعلن عن رأيه المعارض لبعض القياديين ليكون مصيره إلى لجان التحقيق والتأديب.
أما عن محاولة البعض لتسويق تفوق بعض الجمعات الخاصة بناء على أحد التصنيفات، فما هو إلا حلقة من سلسلة سحب البساط من جامعة الكويت لأجل بعض من تلك الجامعات التي تسترزق خلف ستار البعثات الداخلية. بعض الجامعات الخاصة التي أقيمت على أساس ربحي تعي جيدا بأن فلسفة التعليم العالي والجامعات الخاصة في الدول الراقية لابد وأن تكون مؤسسات غير ربحية لأن العلم ورأس المال لا يجتمعان في مشروع واحد. كما أن بعضا من تلك الجامعات لا يمكن أن يكون لها كوادر بشرية وتخصصية كما هي في جامعة الكويت التي أغلب من يدرس فيها من الكويتيين أتوا إليها عبر برنامج البعثات الجامعية لأرقى الجامعات العالمية. كما أن ليس لهذه الجامعات مستوى بحثي لمثل جامعة الكويت ولا يمكن أن تقترب من مستوى مكامنها البشرية والمادية. لذا فإن إشكالية جامعة الكويت هي إشكالية عدم مقدرة الإدارات السابقة لتوظيف القدرات والطاقات البشرية بالشكل المناسب من أجل النهوض بها.
ولا يزال البعض من «قوى التعليم» التي تود الاستمرار بهيمنتها على مفاصل القرار الجامعي وقياداته تطبيق طرائقها السابقة. وما يتضح بالعلن سعي هذه القوى حثيثاً للسيطرة على لجنة اختيار مدير الجامعة القادم ومحاربتها لتمثيل جمعية أعضاء هيئة التدريس كأحد أعضاؤها الخمسة، حيث يعلمون أن هذا العضو لا يمكن السيطرة عليه ولا التحكم به بشكل منحاز أو غير موضوعي. لذلك نناشد معالي وزير التعليم العالي وسمو رئيس الوزراء وأعضاء اللجنة التعليمية في مجلس الأمة بـأن يلتفتوا هذه المرة لجامعة الكويت من اجل تعديل مسارها وإصلاحه، حيث إن إصلاح التعليم هو الخطوة الاستراتيجية الأولى في اتجاه الإصلاح الشامل للوطن.