تاريخ اليوم الأربعاء 04/08/2021

كوكب السوكومونس

22 يونيو 2021
شاهيناز الفقي
إذا رفع شخص سبابته لأقرب شجرة وهو يشير لطائر كبير وقال لك إن هذا (السوكومونس) هو رمز المعرفة وهو الذي علم ابن أدم مراسم الدفن، بالتأكيد ستندفع أنت وتقول له بوضوح شديد ودون مراوغة إنه غراب وهو رمز للتشاؤم والموت وليس سوكومونوس!
سيحتد عليك ويؤكد لك أن هذا الطائر الجميل ذو الريش الناعم الأسود والصوت القوي يسمى سوكومونوس، ولن يكتفي بذلك بل سيستعين بصديق يصحح لك
معلوماتك ويقول لك بسخرية.. «كيف تغفل عن السوكومونوس»؟! هل تستهين بطائر علم البشرية.. يا لك من شنقيط». وعلى الفور سيتصل بصديق ثالث ويضع الموبايل بجوار طبلة أذنك ليعلو هتافه من خلف السماعة، قائلا «إن السوكومونوس المشوي هو أغلى طبق يقدم في مطاعم هونولولو»، وصديق آخر يقول بصوت خبير إن حجابا من ريش السكومونوس يشفى العليل ويرد المطلقة ويجلب الحبيب.. وخامس وسادس وخمسمائة شخص، في هذه الحالة لابد أنك ستبدأ في مراجعة نفسك، وبعد فترة لن تنطق كلمة غراب، ستنساها
متعمدًا، وربما تضبط نفسك يومًا تكتب قصيدة غزل في صوت السوكومونوس وروعة جمال خطوته.
هذا هو ما يحدث معنا يوميًا، يتغير الموروث الفكري والذهني عن الأشياء باستخدام مصطلحات جديدة، الرشوة التي كانت فيما سبق جريمة يحاسب عليها القانون ومعصية تستوجب التوبة، يطلقون عليها الآن بلا أدنى حرج إكرامية وفي بعض الأحيان يسمونها «الشاي»، ومن المصطلحات التي تغيرت في الفترة الأخيرة وأصبحت تطاردنا عبر وسائل التواصل وشاشات التلفاز، تعبير «مثلي الجنس» وهو يطلق على الشخص الشاذ جنسيًا ونلاحظ هنا التضاد بين الكلمتين، وبما أننا نهوى الاختصارات أصبح الشاذ.. مثلي (مثل من!! هذه هي النقطة المهمة) هو يحاول أن يدفعك لقبوله والتعامل معه من خلال تغيير المسمى.
وكذلك مصطلح عابر جنسيًا وكلمة عابر تعطي إيحاء بالقوة والشجاعة (عبر النهر، عبر الأزمة، عبر القناة) السؤال الذي يطرح نفسه ما الذي عبره المتحول جنسيا لنطلق عليه لفظ عابر؟ الشخص الذي قام بإجراء جراحة وتحول من ذكر لأنثى أو العكس، بالتأكيد سيكون لفظ «متحول جنسيا» هو الوصف الدقيق لحالته ولكن لأن موروثنا الفكري عن الشاذ وعن المتحول جنسيا أنه شخص مختلف وفعله مستهجن ولأن هناك محاولات حثيثة وخبيثة لإدماجهم في مجتمعاتنا فكان لابد من تغيير الموروث الفكري والثقافي باستخدام مصطلحات جديدة تنتشر بشكل طبيعي حتى تختفي المصطلحات القديمة ويختفي معها الموروث الفكري والذهني عن هذه الانحرافات السلوكية. ومن الطبيعي أنك لن تقتنع أن الغراب أصبح سوكومونوس إلا إذا تغير المصطلح أو الاسم.
ينطبق الأمر أيضًا على مغتصب الأطفال ومغتصب الموتى ويسمونهم مرضى «بيدوفيليا» ومرضى «نيكروفيليا»، وكلمة مريض تخلق بداخل المجتمع تعاطفا مع الحالة المرضية، على الرغم من أنها جرائم لابد أن يكون مرتكبها منبوذا من المجتمع والفعل ذاته لابد أن يكون مكروها ومحتقرا.
أعلم جيدًا بعد نشر هذا المقال أن أنصار السوكومونوس وأحباب الحرية ومناضلي الإنسانية ومدافعي المهلبية سيشنون هجومهم على شخصي المتواضع ويتهمونني بقسوة القلب وإن ما ذكرته من انحرافات سلوكية هي أمراض واضطراب في الهرمونات لأشخاص لا ذنب لهم، ولهؤلاء أقول إن مصلحة الجماعة فوق مصلحة الفرد وعلى
سبيل المثال مرضى الجذام وهم مرضى لا ذنب لهم في مرضهم يتم عزلهم في مستعمرات لحماية المجتمع، والمرضى بأمراض عقلية وهم لا ذنب لهم أيضا يتم حجزهم في مصحات ومستشفيات للحفاظ على المجتمع، لماذا فقط أصحاب الانحرافات السلوكية والجنسية هم من نتعاطف معهم ونريد أن ندمجهم في المجتمع ونستضيفهم في برامج تلفزيونية على الرغم من ضررهم والذي هو من وجهة نظري أشد وأخطر.
أعتقد أن من واجبنا إن أردنا مستقبلا أفضل للأجيال القادمة أن نرفض تغيير المصطلحات، وألا ننخدع بألفاظ تبدو في ظاهرها حضارية وإنسانية بينما الغرض من ورائها تدمير المجتمع، ينبغي أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، وأن نورث للأجيال الجديدة رفضنا لهذه الجرائم والانحرافات الشاذة.
إذا بحثنا بدقة سنجد أن الأمر لم يقتصر على الانحرافات السلوكية والجرائم الأخلاقية ولكن السوكومونوس أصبح شعار المرحلة التي نعيشها والتي اختلطت فيها المفاهيم وتداخلت المعاني ولم يستقر شيء في مكانه الصحيح، ويكفيك جولة بين أروقة الفيس بوك لتتأكد أن السوكومونوس تحول بفعل فاعل لإله النماء والخصوبة عند (إخوانا الفيسبوكيين) من بعض أدعياء الفكر والثقافة، أصحاب تعليقات (انزل يا جميل في الساحة) مع كل حرف يسيل من قلم يفوح بعطر نسائي، لم يعد الإبداع والنجاح يعتمد في المقام الأول على الموهبة، بل لم تعد الموهبة عنصراً من عناصر النجاح، في الأدب يكفي أن تكتب مقولة منقوشة من أحد الكتاب الكبار وتضع لمستك السحرية بتغيير حرف أو كلمة ليطلق عليك الأديب الفذ أو الأديبة الواعدة الصاعدة المتوعدة، نظرة سريعة على الفن وشهرة النجوم والنجمات سترى أن الركيزة الأهم في نجاحهم وشهرتهم هي عدد المتابعين على الانستجرام ووسائل التواصل بعيدا عن الموهبة والدراسة والإبداع. او إذا
سألت طفلا صغيرا ماذا تريد أن تعمل حين تكبر لن يقول لك ضابطا أو مهندسا أو طبيبا ولكن على الأرجح سيلوي لسانه وهو يقول «عاوز أكون يوتيوبل» يقصد يوتيوبر أي الشخص الذي يقدم محتوى على اليوتيوب ويحصل من خلاله على أموال أيا كان المحتوى الذي يقدمه حتى لو كان عجين الفلاحة، حتى في العلاقات الإنسانية تغير مفهوم الصداقة والحب والعلاقات الأسرية، وبعدما تنتهي من قراءة المقال حاول أن تنظر حولك (ليس من باب تنظيم الأسرة) ولكن من باب التأمل فيما وصل إليه حالنا ستكتشف أن المكان الذي نعيش عليه لم يعد كوكب الأرض وإنما كوكب السوكومونوس!