تاريخ اليوم السبت 25/06/2022

تنمية القوة الناعمة للكويت: الضرورة والكيفية

17 مايو 2022
د. دانة علي العنزي
لا يخفى على أحد أن الكويت تعاني منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر من تحديات دولية وإقليمية وداخلية خطيرة ومتلاحقة، حيث تشهد منطقة الخليج منذ عقدين بروز تحديات أمنية خطيرة، كاشتداد التوتر الإيراني الأميركي، تنامى نشاط الحركات الراديكالية المسلحة، تراجع لدور القوى الإقليمية الصديقة للكويت، مقابل صعود هائل للقوى المعادية، وتراجع لدور الولايات المتحدة في المنطقة.
وناهيك عن ذلك، وهو الأخطر للكويت التراجع الحاد في أسعار النفط العالمية، باستثناء الفترة الحالية وهي مؤقتة، لكن في المجمل هناك تراجعا عاما عالميا لأهمية النفط الذي يمثل ما يناهز90 % من مدخولات الكويت.
وواقع هذه التحديات الخطيرة على دولة صغيرة كالكويت يكون أشد وطأة وخطورة. وتعددت تعريفات الدولة الصغيرة في قاموس العلوم السياسية. لكن رغم هذا التعدد، فقد استقرت نسبياً على أن الدولة الصغيرة هي التي تتمتع بمساحة جغرافية صغيرة، وعدد سكان قليل، بحيث تكون غير قادرة على الدفاع عن نفسها ضد تهديدات وأطماع دول الجوار الأكبر، بل في بعض الأحيان، يكون أمنها واستقرارها مُهدد من قبل منظمة إرهابية مسلحة كتنظيم «داعش» على سبيل المثال.
وتلجأ الدول الصغيرة تحديداً، وعلى رأسهم الكويت، إلى تنمية وتوظيف القوة الناعمة «كقوة تعويضية» عن افتقارها للقوة الصلبة العسكرية تحديدا، لتوفير أكبر ضمانات لبقائها-الذي يمثل الهاجس الرئيسي للدول الصغيرة- وتحقيق بعض الأهداف الخارجية الأخرى كتعزيز سمعتها ومكانتها الدولية.
إذ من خلال أدوات القوة الناعمة، كتنمية البنية الإدارية والاقتصادية وأدوات الحوكمة، أو جعل الدولة مركزا ماليا واقتصاديا عالميا، على سبيل المثال، تتمكن الدولة الصغيرة من تحسين صورتها الدولية، وجذب استثمارات خارجية كبيرة، وتكوين شبكة من الحلفاء والأصدقاء. وهذا في حد ذاته، يوفر المزيد من ضمانات البقاء والحماية للدول الصغيرة، ويشكل عامل ردع لتهديدات دول الجوار، لأن هذه الدولة الصغيرة أصبحت محط اهتمام واستثمارات الكثير من دول العالم بما فيهم الدول الكبرى.
لا شك في أن الكويت ومنذ تأسيسها قد أولت اهتماما شديدا بالقوة الناعمة، وحققت ريادة عالمية في بعض المجالات خصوصاً مجال الوساطة والمساعدات الإنسانية. فعبر الريادة في مجال الوساطة على وجه التحديد، تعظمت استقلالية الكويت في السياسة الخارجية، وكونت علاقات قوية راسخة مع القوى الإقليمية والدولية، ونأت بنفسها عن صراعات واضطرابات المنطقة العنيفة.
ومع ذلك، هناك حاجة ماسة لمزيد من تطوير القوة الناعمة للكويت، وتوسيع مجالاتها وأدواتها. هناك ثلاث حقائق أو تحديات رئيسية تشكل تهديداً خطيراً لبقاء الكويت واستقرارها وأمنها: أفول عصر النفط كمصدر أساسي بل ووحيد تقريبا للدخل القومي للكويت، شبه انتهاء الحماية الأميركية التاريخية لأمن الخليج. والثالث، بداية مرحلة جديدة من الصراعات الإقليمية والدولية الشديدة الخطورة. فالحرب الروسية -الأوكرانية تمثل البداية لهذه المرحلة، إذ إن هناك صراعات أشد خطورة تلوح في الأفق وربما القريبة منها الصراع الأمريكي-الصيني على تايوان.
أولت الكويت اهتماما كبيرا لبعض مجالات القوة الناعمة، لكنها أغفلت مجالات أخرى رغم تمتعها بميزة نسبية فيها. علاوة على ذلك، تراجعت بعض مجالات القوة الناعمة للكويت بصورة نسبية. وعليه، هناك ضرورة بأن تستغل الكويت موقعها الجغرافي الفريد بالتوازي مع التركيز على تهيئة أو تحسين بنيتها وسياستها الإدارية والاقتصادية لتصبح أحد أكبر المراكز التجارية والمالية العالمية. وهذا الأمر في حد ذاته سيجلب أموالا واستثمارات هائلة للكويت تعوضها عن تراجع مدخولات النفط، لضمان استقرار الكويت وأمنه السياسي والاجتماعي.
وبالتوازي مع ذلك، فهناك ضرورة أن يزيد الصندوق السيادي للكويت من استثماراته في المجالات التي تعظم من صورة الكويت العالمية وتزيد من قوتها الجاذبة ونفوذها كالمجالات الرياضية أو شراء الأندية أو الماركات العالمية والفنادق العالمية، والتي تحقق مردودات مالية كبيرة في الوقت عينه.
وعلى صعيد آخر، هناك حاجة إلى تنمية المجال التعليمي والثقافي في الكويت، وذلك عبر تكثيف البعثات الخارجية، وزيادة المنح التعليمية المجانية في الجامعات الكويتية، واستضافة المتاحف العالمية، وتأسيس فروع للجماعات العريقة الدولية في الكويت، وتكثيف التبادل الثقافي.
وعلى نحو آخر، على الكويت معالجة التراجع في نموذجها السياسي الداخلي الرائد، عبر تخصيص خصص في البرلمان للمرأة والشباب. وأخيراً، على الكويت بذل المزيد من الجهود لإبراز واقع التسامح الديني والاجتماعي في الكويت كأحد أهم مجالات القوة الناعمة الجاذبة، حيث تستضيف الكويت ما يقارب من 5 ملايين وافد من مختلف الجنسيات والعرقيات والأديان، ويتمتعون بحقوقهم الكاملة، ويمارسون شعائرهم الدينية بكل حرية.
مختصر القول، أن القوة الناعمة للدول الصغيرة لا تضمن بقاء وحماية تامة للدول الصغيرة، لكن تعظيمها وتوظيفها بشكل أمثل يوفر المزيد من ضمانات البقاء والحماية القوية للدول الصغيرة. وبالتالي، لا مفر أمام الكويت إزاء التحديات الخطيرة التي تواجهها من تنمية وتطوير وتوسيع قوتها الناعمة وأدواتها ومجالاتها.