تاريخ اليوم الإثنين 24/01/2022

إثارة متصاعدة في كأس العرب بقَطَر  و«لوسيل».. عَبَقُ التاريخ وفيض حداثة

07 ديسمبر 2021
وفيق حمدان
تتابع بنجاح على ملاعب مونديالية مباريات بطولة كاس العرب العاشرة التي تستضيفها قطر حتى الثامن عشر من الشهر الجاري. وفي موازاة المستوى الفني الجيد عموماً الذي تشهدهُ المباريات، تكشّفت مزايا جديدة زادت من فرادَة هذه النسخة من البطولة. فإضافةً إلى تجربة نظام إلكتروني لكشف التسلّل تمهيداً لاعتماده في المونديال المقبل إذا ما أثبت نجاعَةً وجدوى، أُعلِنَ أيضاً عن تقديم خدمة الوصف السمعي لذوي الإعاقة البصرية الذين أشادوا بهذه الخطوة، أما المباريات فيقودها حكّام عالميون، ولقد أثبت احتساب هدف فوز قطر على عمان (2-1) عقب مراجعة حكم الفار- VAR، مع أن حكم الساحة لم يحتسب الهدف في البداية وأشار بمتابعة اللعب، أثبت الحاجة المُلحّة لإلزام الحكّام بمراجعة «الفار»، إذا طُلِبَ ذلك منهم، ولو لمراتٍ قليلة فقط، حتى لا يضيع تعب الفِرق ومدربيها بسبب مزاجية أو تحيُّز أو ضعف مستوى الحكَم الذي يعود اليه فقط قرار مراجعة حكم «الفار». 
كما أن افتتاح ستادين جديدين، أحدهما ستاد «البيت» الذي استضاف حفل الافتتاح المُبهِر شكلاً ومضموناً، زادَ من حلاوة وضخامة البطولة. إلا أن الإبهار المدهش، كان في ستاد آخر لم يتم افتتاحه بعد، وكان من حسن حظي أن أكون ضمن الوفد الإعلامي الذي قام بجولة فيه. 
فقط شيءٌ واحدٌ يؤخّر عدداً كبيراً من الإعلاميين عن القيام بمهامهم، وهو تلكؤ الفيفا، حتى لحظة كتابتي هذا المقال، إصدار بطاقات تعريف لهم، وفي هذا تقصيرٌ فاضحٌ من منظمة عالمية  ينطبقُ عليها المثل الشعبي السائر: «الإسم كبير، والمزرعة خربانة». 
ستاد «لوسيل» 
كان من حُسنِ حظي أن تم اختياري ضمنَ وفد إعلامي لزيارة ستاد «لوسيل»، تلك القطعة المعمارية الفريدة، مع أنّ العمل فيها لمّا ينتهِ بعد.  
نظم الجولة التفقّدية، صديق الإعلاميين، الخبير الأول في العلاقات الإعلامية والإقليمية «باللجنة العليا للمشاريع والإرث» الزميل علي الزين، وتكفّل مدير المشروع المهندس تميم العابد، بالرَّدِّ على استفسارات أفراد الوفد ونَهَمِ فضولهم لمعرفة كل صغيرةٍ وكبيرة عن تلك التحفة الهندسية التي من المقرّر أن تستضيف تسعاً من مباريات كأس العالم، بما في ذلك مسكُ ختام المونديال القطري نهاية العام المقبل.  
وبعدَ أن تقطع أقلّ من عشرين كيلومتراً بعد انطلاقك من الدوحة تشدّ ناظريك تلك «القصعة» الخراسانية المنتصبة علامةً فارقة، بل مَعلماً حضارياً أنعش، بمجرّد بدء العمل به، منطقة بكاملها فأخذت بالتنامي حتى حجزت مكاناً مرموقاً على خارطة الإمارة ،عاصمة الرياضة العالمية.   
الشركة الإنجليزية صاحبة الفكرة والتصميم، غاصَت في الأشكال التقليدية الشائعة في تاريخ العرب واختارت إحدى أكثر أدواتهم استعمالاً في يومياتهم الحياتية وشيوعاً في صور هذا التاريخ التي تنوقلت على مرِّ الزمن، ثم عكفت على تطوير الشكل بإضافاتٍ ولمساتٍ فنية حتى استقرّ على ما هو عليه اليوم. وزيادةً في جمالية البناء من خارج، ذكر المهندس العابد أنّ لون طلائه الذهبي يأخذ أشكالاً مختلفة مع مرور ساعاتِ اليوم وإلى حين إضاءته مساءً.   
ولقد استرعت انتباهي لفتة  ذات دلالة على عمق الشعور الإنساني الراقي الذي يحفظ للمستخدّمِين صنائعهم في وجدان مخدومِهم، مع أنها مدفوعة الأجر، والحديث الشريف يقول «من لم يَشكر المخلوق لم يشكُر الخالق». فلأمتار طويلة، وعلى كامل مساحة جدران عالية مررنا بقربها ذهاباً وإياباً على مقربة من الستاد، طُبِعَ آلاف الصور لعمال ومهندسين وموظفين أدّوا مهمات مختلفة في تأسيس وبناء المشروع حتى باتَ قريباً من حفل تدشينهُ، بعون الله تعالى، مطلع العام المقبل. وهؤلاء الأشخاص، هم من بين العشرة آلاف شخص الذين عملوا في المشروع منذُ بدايته وأثناء تواصَلَ العمل فيه بوتيرةٍ دائبة منذ العام 2016.  
وبعد دقائق من موقع الصُّوَر المتراصّة، يدخل الزائرون الصرح الأخّاذ حتى حواشي ملعبه الأخضرحيث تتم عملية تمهيد عشبه المزروع في لفاقات عملاقة فتضفي رونقاً أنساني سنين العمر، وحرّك في نفسي شهية لعب كرة القدم من جديد.  
سعة المدرجات، تصل إلى 85 ألف مقعد، وهي مصممة بطريقة رائعة بحيث لا يمكن لأي متفرِّج أن يحجب رؤية الملعب عن أي متفرِّج آخر. والتزاماً بمعايير السلامة، المعتمدة في دولة قطر، يمكن إخلاء الملعب ،حتى لو كان ممتلئاً، في خلال ثماني دقائق فقط.  
وفي ثنايا مدرجات الاستاد مقصورة شرف لاستقبال كبار الزوار وهي مجهزة بما يناسب ضيوف البلد حتى من رؤساء وملوك الدول.  
يضم المبنى 3345 غرفة وقاعة، وهي أكثر من كافية لاستيعاب كل ما يخدم زائريه ومستخدَميه، طبياً وإعلامياً وتجارياً وكمرافق عامة ومركز قيادة وأمن ووحدات تبريد وأماكن للعبادة وغيرها.  
طبعاً، للإعلام وأهله حصّة كبيرة في حسابات مهندسي المنشأة، حيث إن هناك 74 منصّة للكاميرات التلفزيونية وثماني ستديوهات للبث وأربعة آلاف مقعد للإعلاميين. ولقد إستعمل في بناء المنشأة 240 ألف طن من الخراسانة، و30 ألف طن من الحديد أي ما يعادل أربعة أضعاف ما استُعمل في بناء برج إيفل بفرنسا. أما أعلى نقطة من سطح المبنى فترتفع 85 متراً عن الأرض.  
بعد تفكيك غالبية مقاعد استاد لوسيل، سوف يخضع الموقع لعملية تحوّل شاملة، الى مساكن ومتاجر ومقاهٍ، وعيادات طبية، وستحوّل مقاعد الجزء العلوي من السّْتاد إلى شرفاتٍ لمساكن جديدة. وسيُبقى على سقف السّْتاد للحفاظ على تاريخه المجيد في الأذهان.  
«الوسيل»، إسم، لابد، ستدور عنه، وفي القريب العاجل، أحاديثُ إعجابٍ وثناءٍ كثيرة.