تاريخ اليوم الأحد 19/09/2021

القبة الحديدية والعالم الافتراضي

28 يوليو 2021
محمود حسن
حينما كانت الحروب تقليدية عكفت الدول على اختراع حوائط للصد، وتفننت في إيجاد مضادات للصواريخ والمدفعية والطيران إلى أن توصلوا إلى اختراع القبة الحديدية، وهي غطاء بتقنية علمية وعسكرية معينة لصد أي هجوم صاروخي يحاول اختراق الحدود، إلا أن السلاح الذي بين أيدينا الآن وهو ما يسمى «السوشيال ميديا» أو العالم الافتراضي والذي أصبح عالما موازيا لعالم الواقع بل تفوق على الواقع وابتلعه وامتزج فيه بشكل عجيب والذي لم ولن تتمكن أي دولة من صناعة قبة حديدية ولا فولاذية لصد هجومه أو التصدي لعدوانه المارد، لأنها حرب من نوع خبيث جدا لا يفطن إليه إلا أولي الألباب.
لقد تمكن هذا الفيروس من التفاعل والاندماج في الهواء، فأصبح أحد مكوناته وتمكن من استقطاب كافة المستويات من الناس، فتحول مساره وخرج من دائرة النفع التي يجب أن يكون عليها وبات من النادر جدا من يستثمر هذا العلم المذهل بشكل إيجابي مفيد، فلسنا ضد التقدم العلمي، ولكن العلم يمسي قاتلا ومدمرا إذا ما وقع في أيدي الجهلاء الغير مؤهلين لتوجيه هذا العلم الرفيع نحو الطريق الصحيح.
لقد أسيء استخدام الإنترنت بوسائل اتصاله وتواصله المختلفة بشكل مهلك ونجح من خططوا لاستغلاله - في تدمير مجتمعاتنا - نجاحا مبهرا، وحققنا لهم من النتائج فوق ما كانوا يتوقعون، فها هو التمزق الاجتماعي تحقق وها هي العلاقات الافتراضية المشبوهة انتشرت، وها هي الأسرار تفشت وها هي الفضائح عمت، وها هي الأسرة تفتتت وأصبح لكل فرد عالمه الآخر، وأصبح كل منهم بعيدا كل البعد عن أهله وأخوته.
أما عن الألعاب فحدث وأطل الحديث وأطربنا بل وا أسفاه وا حزناه على ما آل إليه حال الشباب من تلك الألعاب التي أدمنوها كأشد وأخطر أنواع المخدرات. لقد تغيبت عقولهم واضمحلت ثقافتهم وراحوا في عزلة تامة عن الواقع، باعوا من أجل تلك الألعاب أبويهم ومستقبلهم ووقتهم وراحة أجسامهم، أهملوا التعليم والأكل والنوم وتجاهلوا كل من حولهم وظلوا عاكفين عليها أكثر من عشرة ساعات يوميا، ومنهم من وصل إلى حالة العزلة أو التوحد أو الاكتئاب ومنهم من انتحر أو فكر في الانتحار بسبب تلك الألعاب المسمومة، لقد تمكنت تلك القوى العدوانية الخبيثة من اختراق هؤلاء الشباب والسيطرة عليهم تماما واقتيادهم وتحويلهم إلى هياكل هلامية.
أما عن باقي الأشكال والأصناف والأنواع من العائلة الافتراضية الخبيثة، مثل «التيك توك وإنستجرام واليوتيوب»، ومواقع المشاهدات المختلفة فقد خلفت جيلا جديدا ينشر بذاءات وحماقات وجهالات مقززة وحقيرة وأفرز مستويات مختلفة ومتخلفة من الجهلاء والسفلة ومنعدمي الضمير والأخلاق، كل ما يعنيهم نسبة المشاهدات وما يدر عليهم من مال سحت.
وأصبح لهذا المجال نجومه وأكابره، واختلقوا لأنفسهم مسميات ومناصب مثل «يوتيوبر، إنفلوينسر، وبابليك فيجر، وبلوجر»، وما هي إلا أسماء سميتموها ما أنزل الله بها من سلطان، فتطالعنا فتاة شاذة تدعو للفاحشة ويتابعها الملايين، وأخرى ضالة مضلة تنسج من وحي خيالها قصص لزنا المحارم وخلافه وتدعي أنها واقعية وحدثت بالفعل ويتابعها الملايين، وأخرى تتفوه بأقذر الألفاظ الناجمة عن جهل منشأها وتلوث بيئتها ويتابعها الملايين، وهذا شاب صفيق اللسان مغيب الفكر ممول الهدف ينفث سموم التطرف والإرهاب في عقول الشباب ويشغل الرغبة في التخريب والكراهية للأوطان ويتابعه الملايين.
لقد وقعنا في شباك أخطبوط له ملايين الأذرع التي طوقت عقولنا قبل رقابنا، والأمر يحتاج إلى قبة من نوع خاص وتدخل استراتيجي سريع للغاية لإنقاذنا مما هو أخطر وأشد من الموت.. فهل من مغيث؟