تاريخ اليوم الإثنين 24/01/2022

الشباب والعنف والتطرف

06 ديسمبر 2021
أ. د. عبدالرحمن الأحمد
لا يختلـف اثنان في كون الشـباب أكـثر النـاس تعرضـاً لممارسة العنـف، فهـم ضحايـاه بالتغرير بهـم لتنفيـذ مخططاتـه، أيضاً ضحاياه المستهدفين، حيث تستغل قيادات الجماعات المتطرفـة التحـولات في مرحلـة الشـباب لجـذب العناصر المراهقـة والشابة إلى نشاطها الظاهـري في البدايـة، ثـم التطـرف والتعصـب في مرحلـة ثانيـة، ثـم التـورط في عمليات عنـف، وبذلك تفـرض هـذه القيـادات هيمنتهـا وتحكـم سيطرتها عليهـم، ضامنـة بذلـك الـولاء والطاعـة العميـاء لـهـم، وهـي مدركـة أنهـا إن اسـتطاعت تحطيـم عـقـول الشـباب تمكنـت مـن تحطيـم المجتمـع كلـه، لأن مستقبل الإنسانية يجـد التعبير عـن نفسه في الدعـم الجـازم الـذي يقدمـه الشـباب للجهـد والتعـاون داخـل المجتمع الواحـد، والتعـاون بين الشـعوب. وأهـم المظاهـر التـي تسـتغـل لـدى هـؤلاء الشباب التحـولات النفسية المرتبطـة بالتغيرات العضويـة. مـا يجعـل المراهـق يشـعـر أنـه أصبـح راشـداً مستقلاً بشخصيته وتصرفـه فيحـاول إثبـات وجـوده الشـخصي باتخـاذ قـرارات بمفـرده، وبالتعامـل مـع الراشـدين دون وساطة.
كـما أن المراهقـين يشـعرون في هـذه المرحلـة باليـأس والإحبـاط، إذ يبحـث الشـاب المراهـق تلقائيـاً عـن متنفـس، فينجـر إلى التمـرد والعصيـان وكـثرة أحـلام اليقظـة، ويجـد في الجانـب الدينـي متنفسـاً، لكنـه يقـع ضحيـة مـن يسـتغل ظروفـه، فيوجهـه وجهة أخـرى، خاصـة إذا كانت الأسرة قـد تخلـت عـن دورهـا في التربية وتوجيـه المراهـق التوجه السليم، وتحصينـه فكريـاً. ومـا زاد الطينـة بلـة في هـذا الأمـر، عـدم فهـم أغلبيـة الأسر لخصوصيـات هـذه المرحلـة وخطورتهـا، وأهميتهـا عـلى مستقبل الفـرد والأمـة، وإذا لم تضع المدرسـة استراتيجية للتعامـل مـع هـذه المرحلـة ولم تكـون الجـو الملائـم للتعامـل معهـا يقع المراهـق لقمة سائغة للانحـراف فـيرى بعـض مظاهـر الانحلال الخلقي، ويحكـم مـن خلالهـا عـلى المجتمـع بالكفـر والإلحـاد.
وعندمـا يلـج هـؤلاء مرحلـة الشـباب تكـون عقولهـم قـد شـحنت بالكراهيـة لـكـل مـن يخالفهـم الـرأي والمعتقـد وأن السبيل الوحيـد لإصـلاح المجتمـع هـو محاربتـه بالقـوة ومعاملتـه بالعنـف.
وأحـد بواعـث العنـف التعبئـة الاجتماعيـة، التـي تتمثـل في مجموعـة مـن التغيرات الاجتماعيـة والاقتصاديـة والثقافيـة والسياسية التـي تحـدث في البلدان التـي يـتـم عـلى إثرهـا هـدم بعـض جوانب المجتمع القديـم وبناء مجتمع جديد ومـا يتضمنـه مـن تغيرات، وتوتـرات قيميـة، وسلوكية، واقتصادية، واجتماعيـة، تنجـم عـن زيـادة الحـراك الجغـرافي، والحـراك الاجتماعـي، والمهنـي، لقطاعـات واسعة مـن المواطنين هـذا إلى جانـب زيـادة تعرضهـم للمؤثرات الحديثة، كأجهـزة الإعـلام وخلافهـا واحتكاكهـم بهـا؛ ويمكـن أن تكـون عمليـة التعبئـة الاجتماعيـة نتيجـة تراكـم عوامـل داخليـة تسـهم بدرجـة، أو بأخـرى، في خلـق حـالـة الانبعـاث الداخـلي وتدفـع نحـو التغير. وقـد تـكـون عوامـل خارجيـة متمثلة في الاستعمار والتجارة والاحتكاك الثقافي والحضـاري. وهـذا عـلى مستوى النسق المجتمعي ككل، أمـا عـلى المستوى الفـردي فإننـا نلحـظ أن عملية التغيير تـمت عـلى مستويين، مسـتوى فـردي ذاتي ومسـتوى اجتماعـي يـتـأتى عـبر الاحتكاك مع الفضـاء الاجتماعـي ككل.
وتشير شـواهد الواقع الحيـاتي إلى تزايـد ثقافة العنف والتطـرف لـدى الشـباب. ومـن يلاحـظ سلوكيات التلاميذ بالمدارس يستطيع رصـد مظاهـر العنـف السائدة في العلاقات بينهـم سـواء العنـف اللفظي أو الجسـدي أو التدميري.
ونحن نرى أنه لا يمكن رد سـلوك العنف إلى سبب بذاته، شأنه شأن أي سلوك إنساني آخر، متعـدد الأبعاد ومتشابك المتغيرات، ومتبايـن الأسباب، لكـن يمكن أن يناسب أحـد هـذه التفسيرات، حـدوث العنـف في مكان معين، أكـثر مـن غـيـره مـن الأماكـن. كـمـا نـرى أن الشخص العنيـف عـلى أنـه شـخص تهيـأ واكتسـب الاستعداد للعنـف (العدوانيـة) بتأثير عوامـل وتجـارب مـر بهـا في مراحـل عمـره المبكـرة. ومـن هنـا فـإن ظاهـرة العنـف بـين الشـباب لم تنشـأ مـن فـراغ، فهـي متعلقـة بشكل مباشر بالعنـف الموجـود في المجتمع، سـواء كان عنفـا منزليا، الـذي يختبره الطفـل في بيئـة الأسرة، أو العنـف الـذي تصـدره المؤسسات التربويـة ووسائل الإعلام والاتصـال المختلفـة.