تاريخ اليوم السبت 25/06/2022

الذكاء التكيفي وعلاقته بالموهبة الشخصية

25 مايو 2022
أ. د. فاطمة الجاسم
اهتم العالم روبرت ستيرنبرغ في مسيرته المهنية على امتداد أكثر من أربعين سنة بمناقشة فكرة الذكاء، وتدرج في رؤيته للذكاء من فكرة دراسة الذكاء كعملية لمعالجة المعلومات وتجهيزها إلى النظرية الثلاثية للذكاء، وأخيرا بدأ بطرح فكرة الذكاء التكيفي وأساليب قياسها. 
فرغم أن الذكاء على امتداد أكثر من قرن قد عرف بأنه القدرة التكيفية مع البيئة إلى أن كل المقاييس والاختبارات التي ظهرت غير مرتبطة بالتعريف، وقاست مهارات مثل اكتساب المعارف والاستدلال الاستقرائي، والتصور المكاني، والذاكرة، وسرعة الإدراك. فالتكيف مفهوم يتطرق لقدرة أوسع وأعمق لفهم ما يحيط بنا في محاولة لفهمه واكتشاف ما يجب القيام به. ويشتمل على التعلم من البيئة، وتغير سلوك الفرد بمرونة، والتفكير الجيد، واتخاذ القرارات الجيدة، وحل المشكلات بفاعلية داخل البيئة بالإضافة إلى تعديل البيئة أو اختيار بيئة مختلفة.
يتناول الذكاء التكيفي قدرة الشخص على التعامل مع المهام العقلية والمحتملة في مجموعة متنوعة من المواقف البيئية المختلفة، وقدرة الفرد على التعامل مع التوافق الخارجي وتحقيق التماسك أو الترابط الداخلي وتعتمد على العوامل الظرفية في أي الموقف، وهو يتغير مع الوقت والزمن ويختلف من زمان ومكان، فما يصلح لمجتمع لا يصلح لمجتمع آخر. ويتطلب لوضع اختبارات تقيس الذكاء التكيفي مهام متنوعة تلائم تنوع المواقف والمجتمعات والظروف. 
وينطرح هنا سؤال مهم هل الأشخاص الموهوبون يمتلكون الذكاء التكيفي؟ ما نشاهده في الحياة هو أن الحاصلين على درجات عالية على مقاييس الذكاء لا يتصرفون في حياتهم لمستوى قدراتهم العقلية ولا يحققون النجاح المطلوب وقد يعود لعدم قدرتهم التعامل مع بيئتهم أو أنهم رسموا لحياتهم شكلا خاصا يوازي بين الحياة الأسرية والاجتماعية والعلمية، أو لفشلهم في مسار مهني أو اجتماعي أو أن الإلهام لم يفاجئهم مرة أخرى. فمن يمتلك الذكاء التكيفي قادر على تقييم مواهبه بمعرفته لنقاط قوته وضعفه، ويمتلك قدرة على التكيف بين موهبته وطموحاته المهنية من جهة ونمط حياته من جهة أخرى، ويسعى نحو شغفه مدى الحياة وأن تخلى عنه فيعمل على شغفه في مجال آخر من الحياة، كما أنه قادر على التكيف مع المنافسة والغيرة والنقد المستمر بمعنى أنه قادر على إدارة موهبته الشخصية. وكل ما ذكرنا هو يؤكد على تكيف الموهوب مع مجتمعه بشكل شخصي.
يواجه الموهوب في حياته تحديدات عديدة أهمها أن طبيعة الحياة سريعة التغير، حيث تكون فيها المنافسة قوية لتلبية ما يتطلبه الجمهور من رغبات دائمة التغير، وقد يتعرض لمواقف تتغير فيها قدراته الشخصية مما يتطلب من مزيد من العمل لتعويض الفاقد، وقد تكون طبيعة المهنة ذات تحدٍ دائم وتتطلب تحديات مستمرة مما يجعله يفكر في الخروج من دائرة الأضواء ويسعى لمهنة أقل توترا. 
قد يواجه الموهوب بعض التحديات غير القابلة للتكيف، مثل تحدي الغيرة سواء كانت ناشئة منه أو من الآخرين، للبقاء في مهنة فيحول ذكائه لتقويض الآخرين. كما أنه في التحديات قدر لا يرى الفرص فيها بل تبقى حجر عثرة في طريق نموه. وتبقى قدرة الفرد على مواجهة التحديات هو قرار مصيري، فالأفراد يختلفون في قدرتهم على مواجهة التحديات المختلفة، وهذا القرار يتطلب ذكاءً تكيفيًا، حيث إن تحقيق الأهداف في الحياة والتسامح مع مختلف الجوانب العملية هو الطريقة للوصول إلى الهدف وليس تحقيقه. ويتطلب منه العمل بجد والاستفادة من نقاط القوة وتعويض نقاط الضعف أو تصحيحها، والتركيز على أمر واحد وإدارة المنافسة بحيث يبني مكانة فريدة خاصة به تميزه عن الآخرين، وتتطلب منه التعامل مع النقد اللاذع والتملق بحكمة بالإضافة إلى التعامل مع الدعاية المدمرة وتناقضات الحياة المهنية، وصنع مسارًا وظيفيًا فريدًا وذا مغزى.
ولعل نموذج العالم ابن الهيثم العالم الموسوعي مثال على الذكاء التكيفي وقدرته على التكيف مع تقلبات الحياة، فقد سعى دومًا نحو المعرفة والحقيقة واعتبرها هدفًا وطريقة للتقرب إلى الله. فقد عين بدرجة عالية بالبصرة لكنه فضل الهروب من موطنه، وهرب من بغداد، وادعى الجنون في مصر لتكريسه نفسه لدراسة العلوم وهو من وضع أسس علم البصريات. 
ويبقى التساؤل المهم لماذا يرتبط الذكاء التكيفي بالفرد لذاته ولا يرتبط بحماية كوكب الأرض من الأخطار؟ فالأساليب التي يتبناها الإنسان على الأرض تهدد حياتنا البيئية، فأغلب التقنيات المستخدمة هي ضارة على المدى الطويل على الإنسان والبيئة، فرغم أن ذكاء الإنسان في القرن العشرين قد زاد نحو 30 نقطة إلى هناك سعي لتدمير الذات الإنسانية، فهل هذه الممارسات تعني انخفاض الذكاء التكيفي لدى الأفراد؟ وأين الموهبة والذكاء التكيفي من التكيفي الجمعي مع كوكب الأرض؟