تاريخ اليوم الأحد 29/05/2022

الكيان الصهيوني واستراتيجية تمرير قرن الغزال!

23 يناير 2022
د. عبدالله يوسف سهر
الكثير من المصطلحات السياسية ترتبط بتراث الصراع لدى المجتمعات، ومن هذه المصطلحات التي تستخدم في استراتيجيات الصراع والحروب ما أطلق عليه بـ «Passing the Buck». اثناء حقبة الغرب البري المتوحش أو عصر الكاوبوي، حيث كان التنظيم القانوني مفقوداً بخلاف قانون القوي، يتجمع بعض هؤلاء الكاوبوي في الحانات للعب القمار (البوكر)، وكان حينها تقع الكثير من الخداع والغش تتم عن طريق حركة اليد أو تمرير كروت اللعبة أو أي حركة يكون متفقاً عليها بين طرفين على الطرف الآخر، والتي تنتهي بالشجار والاقتتال. ولمنع ذلك الغش استخدمت سكين ذات يد مصنوعة من قرن ذكر الغزلان (Buck) لتمرير الدور في لعبة البوكر التي يتم من خلالها المراهنة والقمار. وقد تحول هذا المصطلح بعدها ليعني تمرير المسؤولية للغير، بدلاً من تحملها. وبعد فترة استخدمها بعض علماء العلاقات الدولية لوصف حالة تخلى الدولة عن مسؤوليتها في الصراع، وتمريرها لدولة أخرى لكي تتحمل توابعها. ومن أمثلة ذلك ما قامت به كل من إنجلترا وفرنسا قبل الحرب العالمية الثانية حيث عقدتا اتفاقية عدم اعتداء مع ألمانيا النازية لكي تلقيان بمسؤولية تهديد الألمان لقواعد توازن القوة على عاتق روسيا، ولكن الأخيرة رفضت تحمل المسؤولية وعقدت اتفاقية عدم اعتداء مع هتلر، فما كان من هذا الأخير إلا وقد قام بغزوهم جميعاً بعدما فهم اللعبة. 
الكيان الصهيوني يقوم بتطبيق تمرير قرن الغزال في حالة صراعه مع إيران. هذا الكيان الذي يقوم بالاعتداء الأكثر على الأراضي العربية والاسلامية واحتلالها، وهو من قام بأول العمليات الإرهابية بالعالم، وهو الذي يقوم بالاغتيالات والتخريب والتجسس حتى على الدول الحليفة معه ومنهم أمريكا، هو الذي من المفترض أن يتحمل المسؤوليات عن تلك الجرائم التي اقترفها واستفاد منها اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا، ولكنه يريد أن يحمل المسؤولية لدول أخرى وتحديدا على الدول الخليجية والولايات المتحدة الأمريكية عبر توريطها بحرب مع ايران! 
لا شك في ان هنالك ارتباطا استراتيجيا كبيرا قائما بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية وهو ارتباط تقوم وشائجه على أسس أيديولوجية واعتبارات دينية وسياسية واقتصادية مؤسسية في المجتمع السياسي الأمريكي. وبالتالي، فإن هنالك حزمة من الروابط بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني القوية، بحيث لا يمكن لأي رئيس أمريكي أن يتحدى تلك الأطر الفولاذية. ولكن على الرغم من تلك العلاقات المتينة فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران وذلك لحسابات سياسية وعسكرية قد تكون في غير صالحها خاصة في ضوء تجربتها في أفغانسان والعراق. الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في عهد الرئيس ترامب حاولت أن تمرر المسؤولية إلى دول الخليج، ولكن الأخيرة رفضت خاصة في ضوء تجربتها في حرب اليمن. لذلك، عاود الكيان الصهيوني من جديد لكي يمرر هذه المهمة لدول الخليج عن طريق تعميق علاقات الصراع ووضع كافة العراقيل أمام قيام حوار إيجابي بين كل من المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. 
فنون استراتيجية تمرير المسؤولية لا تتوقف عند حد تحريض طرف على طرف خصم، وإنما يمكن أن تكون عن طريق التحريض والمساعدة، أي أن يمرر المسؤولية لطرف كي يقوم بالمهمة مع وعود بالمساعدة المباشرة وغير المباشرة، وهذه الاستراتيجية التي يحاول الكيان الصهيوني هندستها في الوقت الراهن، حيث يقوم بتحريض بعض من الدول الخليجية لإيقاع فتنة الحرب ومن الممكن أن يقدم مساعدات فنية وعسكرية ولكن وفق ضوابط اللعبة وقواعد المواجهة بحيث لا تمتد اليه. 
الخيارات المتاحة لدول الخليج كثيرة، منها الحوار المباشر مع إيران وعقد تفاهمات من شأنها تخفيف حدة التوتر، مثلما تفعل الولايات المتحدة التي شقت طريقها في حوار طويل وشاق مع طهران عبر اجتماعات جنيف. ولدول الخليج خيار آخر، وإن كان محفوفاً بالمخاطرة، وهو أن تمرر مسؤولية المواجهة مع إيران للكيان الصهيوني الذي سوف لن يقبل بذلك لمعرفته بالتكلفة العالية التي سيتكبدها، حيث إنها لن تكون بمثابة نزهة «اصطياد الديك الرومي» Turkey Hunting Picnic مثلما يصطلح عليه بعض السياسيين الأمريكان عندما اعتقدوا بأن الحرب في فيتنام ستكون مثل تلك النزهة.