تاريخ اليوم الأربعاء 10/08/2022

العلاقة بين العنف والتطرف

04 ديسمبر 2021
أ. د. عبدالرحمن الأحمد
قـد ارتبـط مفهـوم التطـرف بالعنـف ارتباطا وثيقـا، وظهـرت ملامحـه مـع بداية العقد السابع مـن هـذا القـرن، مع تنامي الجماعات الدينية التي استخدمت التشـدد والمغالاة في تفسيرها لبعـض النصـوص الدينيـة، وانعكـس المنهـج الفكـري عـلى سـلوكيات الجماعـات واتسـمت تصرفاتهـم بالعنـف والإجـرام، ولقـد اختلفت التوجهـات والدراسات في ربـط التطـرف بالعنـف، وهنـا فـإن ارتباطهـمـا عـلى طـول المـدى أمـر غـير مقبـول وانفصالهـما أيضـاً يعنـي عـدم الموضوعيـة، لأن اقتران التطـرف بالعنـف فـيـه تجاهـل لإيجابيـة أحـد أبعـاد التطـرف المرغـوب واتهام لمشروعيـة العنـف المقبـول، فليـس كـل فـرد ينتهج مهجـا فكريـاً أو أيدلوجيـة أو فلسفة يؤمـن بهـا يوصـف بالتطرف الفكـري حتـى إن وصـف بذلـك، فإنـه قـد لا يسـلك سلوكا عنيفـا لـفـرض مـا يؤيـده، وقـد يلجـأ الـفـرد دون فكـر أو أيديولوجيـة نظريـة يعتنقهـا إلى سلوكيات عنـف بأسلوب مأجـور أو بغـرض المتعة دون تطـرف في إطـاره الفكـري.
وقـد يـصـل المتطـرف إلى نهايـة مقيـاس الاعتـدال- بسـبب أسـاليب قمعيـة يقـوم بهـا النظـام ضـد معتنقـي هـذا الفكـر- ومـن تحـول المتطـرف مـن الفـكـر أو السلوك المظهـري إلى العمل السياسي، وهنـا يلجـأ إلى استخدام العنـف لتحقيـق المبـادىء التـي يؤمـن بـهـا هـو أو جماعتـه الدينيـة أو السياسية أو الفئويـة.
وعندمـا تسـتطيع الجماعة المتطرفة «أن تحقـق الانتصـارات التـي يؤمـن بـهـا الفـرد أو تمتلـك وسـائل العنف والقـوة فإنهـا قـد تلجـأ سـواء عـلى المستوى الفـردي والمجتمعـي أو الـدولي إلى استخدام وسيلة الإرهاب الفكـري أو النفسي أو المـادي ضـد كل مـن يقـف عقبـة لتحقيق أهدافها.
وأكـثر أشـكال التطـرف التـي يرتبـط العنـف بـهـا هـما التطـرف الدينـي والتطـرف السياسي. وارتبط التطـرف الدينـي بظاهـرة استخدام العنـف كوسيلة لتحقيـق الأفكار التـي يؤمـن بهـا المتطرفـون، والعنـف مـا هـو إذن إلا وسيلة تستخدم لأغـراض دينيـة أو سياسية أو يكـون عنفـا تلقائيا لبعـض المشكلات اليوميـة التـي يعـاني منهـا الإنسان المعاصر، والعنـف أيضـا لـيـس ظاهـرة خاصـة بالمجتمع المصري أو غيره، ولكنـه وسيلة عامـة يستخدمها الشخص عندمـا يكـون في وضـع قـوة أو ضعـف، يحـاول فيـه أن يحقـق مـا يعتقـد بالقـوة بعـد أن فشـل في استخدام الفكـرة أو الحجـة، فالعنـف وفيـما بعـد الإرهـاب يبـدأ في الفصـل وتتحـول الفكـرة التـي يؤمـن بهـا الشخص إلى فعـل عـدواني ضـد الأفـراد أو المجتمع.
ومن العوامل التي تؤدي إلى الارتباط بين التطرف والعنف:
1 - الضعـف مقابـل السلطة: فالعنـف عبـارة عـن سـلـوك عـدواني بين طرفين متصارعين يهـدف كل منهـما إلى تحقيـق مكاسـب معينـة أو تغيير وضـع اجتماعـي معـين والعنـف وسيلة لا يقرهـا القانـون، فمـن الملاحـظ مـن يسـتخدم العنـف يـكـون غالبـا الـطـرف الأضعـف الـذي يواجهـه طـرف آخـر يملـك السـلطة.
2 - ضعـف الوعـي مقابـل المناخ السائد: المناخ يساهم بالتعجيـل لنشـوء المنظمات الأكـثر تطرفـا، أكـثر مـن هـذا فـإن الموقـف السياسي هـو الـذي حـدد الموقـف خطـأ في فهـم الديـن أو أن الشـباب هـو الـذي ينقصـه فالمسألة ليسـت الوعـي الدينـي، فالعنـف ظاهـرة سياسية واجتماعيـة قبـل أن تكـون دينيـة، وقـد اتخـذت الديـن لتحويـل الفكـر إلى سـلوك.
3 - وجـود أهـداف خاصـة لجماعـات العنـف: فالعنـف وسيلة تستخدم لتحقيـق أهـداف سياسية أو اقتصاديـة أو دينيـة، وقـد يـصـل العنـف إلى حـد الإرهـاب فالإرهـاب صـورة خاصـة لا يمكـن فهمـه إلا مـن خـلال فهـم العنـف، ولكـن يـجـب ألا نخلـط بينهـما.
4 - إلغاء العقـل والاستسلام للفكر المتطـرف: لا يمكـن فهـم العنـف بعيدا عـن الموقف الفعـلي الـذي يحـرض على العنف، فمناقشـة هـذا الفكـر أمـر مهـم حتـى ولـوخـلا العنـف، لأن هـذا الفكـر قـائـم عـلى إلغاء العقـل والاستسلام للمسلمات دون مناقشـة، وعـلى الفـرار مـن المجتمع وتعطيـل الفـكـر والعقـل.
5 - الضغوط الخارجيـة عـلى الشباب: إن العنـف كوسيلة لحـل المشكلات الاجتماعية والسياسية هـو صـدى لعوامـل خارجيـة، فـلا يمكـن أن نعـزل مـا يـحـدث في العالم الخارجـي ومـا يـعـاني منـه المجتمع داخليـا أو مـا يتعـرض لـه مـن ضـغـوط خارجية عـن الشـباب.
6 - ازدواجيـة الشخصية بـين مـا هـو مثـالي وبين التطلـع للمستقبل: فهنـاك أنماط معياريـة تـؤدي بالشباب إلى التعقـد الشـديد ويتدخـل الحـاضـر بـكـل مـا فـيـه مـن خلـل يـؤدي إلى انفصـام بـين المثـل والواقـع أو بين القـول والفعـل.
7 - ازدواجيـة الهويـة والأيديولوجية للمجتمـع، فـتردد المجتمـع: بين الناصرية والاشتراكية والشيوعية والفكر الإسلامي كل ذلك جعـل الشـباب حائـرا بـين هـذا وذاك، كذلـك طبيعـة التنظيم السياسي قـد فرضـت ضغوطاً معينـة أدت إلى إحباط نتج عنـه عـدوان ضـد المؤسسات والأوضـاع القائمة في المجتمع، كل هـذا في غيـاب إطـار أيدلوجـي لجـذب الشـباب واستيعاب طاقاتـه، فالشـباب يتفاعـل مـع واقع المجتمع وليـس منعـزلا عنـه.
8 - الإحبـاط: وهـو مرتبـط بمسـائل فرضتهـا الأوضـاع الاجتماعيـة فـزادت معـدلات الإحباط بين الشباب الـذي غـاب عنهـا الأمـل في مستقبل مهني أو أسري، فالإحباط والشعور بالقلـق نتيجـة عـدم الشعور بالاستقرار والأمـان، سـاعـد عـلى استقطاب العديـد مـن هـؤلاء الشباب للحركة الإسلامية، وتحـول الإحبـاط مـن كـونـه ذاتي إلى رفـض اجتماعـي يعـبر عـن مضمونـه بالعنـف.