تاريخ اليوم السبت 25/06/2022

العلاقة بين الديمقراطية والأمن القومي (1-2)

22 مايو 2022
د. دانة علي العنزي
يعد موضوع أثر الديمقراطية على الأمن القومي من المواضيع المعقدة والحساسة والمثيرة للجدل المتشعب والواسع النطاق؛ فهي معقدة بحكم العدد الكبير من العوامل والعناصر ذات الصلة بها والتي تؤثر فيه وتتأثر به. كما أنها تتسم بالحساسية؛ لأنها تتعلق بدراسة قضايا بالغة الأهمية بالنسبة لأي مجتمع كقضية الأمن الذي يعد بمثابة شرط من شروط الحفاظ على بقاء المجتمعات والدول. وقضية الديمقراطية التي اكتسبت في الفترة الأخيرة زخما كبيرا باعتبارها أحد الشروط الأساسية للدخول إلى الدولة العصرية القادرة على التكيف مع متطلبات العصر، وذلك رغم إقرار العديد من الخبراء والباحثين بأن الديمقراطية تتطلب مقومات معينة قد لا تتوافر بالضرورة في سائر المجتمعات المعاصرة. ومع ذلك فإن الاتجاه الغالب يرى أن البدء بالديمقراطية رغم عدم توافر كافة المقومات اللازمة لها هو الأفضل بالنسبة للمجتمعات المعاصرة، وهو قد يساعد على توفير باقي المقومات المطلوبة.
وفي هذا الصدد يجدر بنا أن نذكر أن العلاقة بين الأمن القومي والديمقراطية هي إشكالية تعرفها كافة المجتمعات المعاصرة، وإن اختلفت في مستوى حدتها ونطاقها. ولعل ما يؤكد ذلك هو أن الدول ذات النظم الديمقراطية العريقة هي النظم التي لديها أقوى الأجهزة والمؤسسات الأمنية العريقة أيضاً، وذات الكفاءة المهنية والتقنية العالية والأمثلة على ذلك عديدة كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.
وفي هذا المبحث سوف نحاول توضيح أثر الديمقراطية على الأمن القومي سواء إن كان هذا التأثير إيجابيا أم سلبيا. وسوف نحاول في نفس الوقت توضيح بعض العوامل المساعدة والتي من شأنها التأثير على نوعية العلاقة بين المفهومين.
أولا: الآثار الإيجابية للديمقراطية على الأمن القومي
1. الديمقراطية وتدعيم الأمن العسكري:
ذكرنا من قبل أن البعد العسكري للأمن القومي يركز على حماية استقلال الدولة وسلامة أراضيها ضد أي عدوان قد يقع عليها. وهنا يثار العديد من علامات الاستفهام حول جدوى الديمقراطية للأمن العسكري للبلاد، فالأولى هنا الحديث عن قدرات الدولة العسكرية. وحقيقة الأمر أن الحديث عن القدرات العسكرية فقط كسبيل لحماية أمنها العسكري هو حديث منقوص، فللأمر أبعاد أخرى من أهمها علاقة الدولة بالدول الأخرى في محيطها الاقليمي والدولي وعلاقتها بالمنظمات الإقليمية. وبما أن القانون الدولي يحرم اللجوء للقوة إلا في حالات الدفاع عن النفس، فإن اتسام الدول بالديمقراطية على الأقل يضمن لها وقوف المجتمع الدولي في جانبها في حال ما إذا وقع عليها عدوان. ومن هنا تجدر الإشارة إلى أن الديمقراطية لا تحقق بالضرورة الاستقرار العسكري، ولكنها تساعد عليه، وهناك العديد من الدول التي كانت تتسم بالديمقراطية ولم تفلح ديمقراطيتها في حمايتها من الغزو الخارجي مثل النمسا عندما احتلتها ألمانيا، والكويت عندما احتلتها العراق.
2. الديمقراطية وتحقيق الأمن الاقتصادي:
تشكل الزيادة في النمو الاقتصادي والتنمية هدفاً سامياً تسعى كل البلدان إلى تحقيقه، لما في ذلك من أثر في تخفيض معدلات الفقر والتخلف في العالم حيث المشكلة الاقتصادية (الندرة) هي التي تتحكم في مصائر العديد من الأفراد إضافة إلى التوزيع غير العادل للثروة والدخل. وفي هذا الصدد يقول عالم الاقتصاد فريدمان بأن كلتا الحريتين (الحرية الاقتصادية والحرية السياسية) يعززان نفسيهما بصورة تبادلية فالتوسع في الحرية السياسية، أي ديمقراطية أكثر، يشرع الحقوق الاقتصادية والتي تؤدي بالتالي إلى تحفيز النمو، إلا أن المضي قدما في النمو الاقتصادي بالضرورة يتطلب المزيد من الإصلاحات في النظام المؤسسي والقانوني للدولة من أجل جذب الاستثمارات، بالإضافة إلى الدول الآسيوية ارتبط النجاح فيها بشكل أو بآخر بمنظومة القيم الآسيوية التي تشجع على العمل والخضوع للحكام وتبجيله، بشكل يجعل من فكرة التنمية مع الديكتاتورية شيئا بعيدا عن الواقع العلمي.
إن ممارسة الحرية الاقتصادية في ظل الديمقراطية التي تحمي هذا النوع من الحرية هو أمر منطقي؛ حيث لا يمكن تصور وجود الديمقراطية بدون حرية اقتصادية فكلتا الحريتين السياسية والاقتصادية تحفزان النمو الاقتصادي بشكل تكاملي والتوسع في أي منها يعني التوسع في الآخر. وعلى الرغم من أن العديد من العلماء يرون أن الديمقراطية هي التي تحتاج إلى التنمية الاقتصادية من أجل بناء نظام قوي، إلا أن هذه الفرضية أهملت العوامل المحفزة للتنمية والتي تنشأ فقط في ظل الديمقراطية، مثل تعزيز الحرية الاقتصادية وحقوق الملكية الفردية وزيادة قدرة الأفراد على الابتكار والتنظيم والادخار والاستثمار في ظل الديمقراطية.