تاريخ اليوم السبت 25/06/2022

المتوفى الحي!

15 مايو 2022
د. نزار محمود
نشأ عبدالله في أسرة متوسطة الحال، ليست ببعيدة عن ممارسة الشعائر الدينية، لكنها ليست بالمتشددة، كان أخاً لثلاث أخوات وأخ واحد. والده كان يعمل في محل نجارة بسيط، ووالدته ربة بيت حريصة على تربية أولادها، كانت دائمة التذكير لهم بأهمية العمل الصالح في الحياة وتجنب ما يغضب ربنا.
يكبر عبدالله في هذه الأسرة، منهياً مدرسته وتعليمه المهني في مجال التأسيسات الكهربائية، وبعد تخرجه يجد له عملاً في شركة ويمضي في حياة مهنية مستقرة من الناحية المالية، عندما بلغ سن الخامسة والعشرين تقدم خاطباً ابنة خالته، وتم الزواج وسط فرح الأهل والأقارب وجيران الحارة.
وكان عبدالله رجلاً محباً للحياة الاجتماعية، فله من الأقران والأصدقاء ما يقضي معهم بعض أوقات فراغه ويتسلى في أحاديث ومواضيع شتى، سيما أثناء لقاءاتهم في مقهى الحي الشعبي الكبير، مقهى أبو شكر. وبالطبع، كانت تتخلل تلك الجلسات لعبة النرد أو «الدومينة».
كانت أحاديث الأصدقاء تذهب في اتجاهات شتى، اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية، بيد أنها لم تكن تخلو دائماً من غيبة أو نميمة، أو من نفاق أو رياء! إنهم بشر وليسوا ملائكة. كما أنهم إلى جانب ذلك لا ينقطعون عن صلاة الجمعة على أقل تقدير.
وكان هؤلاء الأصدقاء يشهدون بين الفينة والأخرى موت أحد المعارف أو الأصدقاء أو الأقارب، ويؤدون واجب العزاء والوقوف إلى جانب أهل المتوفى.
وذات مساء يذهب عبدالله إلى سريره مبكراً ويغط في نوم عميق. وفي منامه يجد عبدالله نفسه في عالم آخر عرف أنه قد توفى في الحياة الدنيا وأنه قد انتقل إلى هذا العالم بعد مماته.
في هذا العالم راح عبدالله يطوف بين مجاميع متنوعة ممن وجدهم هناك، عرف فيهم من كان صالحاً، وعرف فيهم من لم يكن كذلك، وشهد ما هم عليه من حال مختلفة. رأى من كان صالحاً راضياً مبتسماً، ومن كان غير ذلك عابساً حزيناً نادماً خجلاً.
تقدم من أحد النادمين سائلاً: ما الذي يبكيك ويحزنك؟ أجابه: كنت أشهر بأعراض الناس وأغتابهم، وأتجنب عون المحتاج، وأجاب ثان منهم، بأنه كان يسرق هذا ويخون ذاك، وكان يكذب وينافق، وأنه أضاع نعمة الصحة والزمن بما لا يغني ولا يسمن من جوع.
انزوى عبدالله إلى ركن في مجلس وراح يتأمل حياته في الدنيا ويرجو لنفسه حسن الختام. وفي هذه اللحظة أيقظته زوجته كي لا يفوت عليه موعد نهوضه المعتاد!
صحا عبدالله من نومه وجلس لبعض اللحظات مستذكراً العالم الذي كان فيه. نهض وتوضأ وصلى، واتخذ من طريق إلى عمله مجيباً بكل الرضى لمن يسأله عوناً يقدر عليه، ونصيحة تهديه، حتى أحس فيه أصدقاؤه عبدالله آخر غير ما اعتادوه فيه من مشاركة في غيبة أو نميمة أو إضاعة وقت كثير في ما لا نفع فيه. لقد تغير عبدالله بفضله سبحانه وتعالى، فازدادت سماحة وجهه، وقويت ذراعه في مد يد العون، وصح لسانه بالكلام الطيب.