تاريخ اليوم الإثنين 24/01/2022

مؤامرات البشر

07 ديسمبر 2021
المستشار د. زهير إبراهيم العباد رئيس تحرير جريدة الكويتية
وكما نرى أن العالم البشري المضطرب في الصراعات السياسية وعدم الاستقرار في بعض الدول برغم من محاولات دولية متزنة لجعل تلك الدول مستقرة سياسيا بدلا من تلك الصراعات التي لا داعي لها تضر البشر قبل الحجر وتجعل الأرض التي خلقها الله تعالى من أجل السلام والتمتع بنعمه الكثيرة التي خلقها الله من أجل البشرية والعيش بسلام وأمن وطاعة الرحمن واحترام الإنسان لأخيه الإنسان واحترام القوانين المنظمة للاستمرار والأمن الاجتماعي.
قرأت في كتاب للكاتبة المتميزة الأستاذة ميرفت عبدالصمد، في كتابها الذي حمل عنوان «مؤامرات التاريخ الكبرى» والذي صدر بطبعته الأولى في القاهرة ودمشق عام 2015 عن دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، وأعيد طبعه أكثر من مرة. وتناول الكتاب عن مؤامرات متنوعة مارسها البشر ضد البشر عبر التاريخ.. ووقفت عند حكاية وكلمات رددها التاريخ لقيصر وهو يقول عبارته «حتى أنت يا بروتوس» حيث نطقها يوليوس قيصر في آخر لحظاته. والتي كانت في نهاية مؤامرة كبرى نسجها ضدّه مجلس الشيوخ بتنسيق من كبار زعمائه. فبعد أن كبر يوليوس قيصر بالعمر وبات على كامل الإمبراطورية، خطّط زعيم المؤامرة كاسيوس لقتل القيصر، فاجتمعوا في فجر أحد الأيام في بيت بروتوس وخطّطوا لقتله.
عندما حضر القيصر في مناسبة وسط الجماهير التي جاءت لتحيته، حيث طلب منه بروتوس أن يصفح عن رجل كان نفاه، لكن الإمبراطور رفض، فأتى كاسيوس وطعن القيصر في رقبته، ثم عاجله بعض الرجال القريبين منه بعدة طعنات متتالية بسبب المؤامرة فدبّت حالة من الذهول في وجه القيصر الذي كان يتلوّى من الألم، وفي الأثناء اقترب منه بروتوس الذي كان أكثرهم قربا ومودة منه وكان القيصر يعتقد أنه جاء مساعدا، لكن بروتوس عاجله بطعنة كانت الأخيرة والقاتلة، وهي الطعنة التي قال فيها القيصر جملته الشهيرة «حتى أنت يا بروتوس»..
من أكثر الحكايات التي كتبتها الكاتبة في مؤلفها المشوق عن قصة الخليفة المقتدر ومصيره المؤسف الذي كانت السبب فيه والدته شغب التي كانت جارية لوالده المعتضد، ولما ولدت له ولدا هو المقتدر، باتت تخشى أن يتولى أحدهم الملك دون ابنها، فصارت تقوم على الفتك بهم وأمهاتهم ما استطاعت إليه سبيلا.
وسمّيت شغب من قبل زوجها الخليفة المعتضد، وبعد فترة من الزمن تنّبه المقتدر إلى أفعال زوجته في قتل نسائه. فحجرها في قصر مع جارية لها تدعى ثمل، وكانت مساعدتها في تدبير المكائد والمؤامرات، وكان للخليفة المعتضد ولد اسمه علي ولقبه المكتفي وكان مرشحا لتولّي العهد.
وعندما مات الخليفة المعتضد خلفه المكتفي، لكنه بعد ست سنوات مات شابا فتولّى الأمر أخوه المقتدر الذي بلغ في ذات اليوم الثالثة عشرة من عمره وصار خليفة. وهي مصادفة تشي بوجود مؤامرة، ومن خلال صغر سن الخليفة الجديد المقتدر صارت أمه شغب متولية أمر الدولة وسمّت نفسها السيدة أم المقتدر وجاريتها ثمل سمتها أم موسى القهرمانة، وعينتها بمكان أشبه بالقاضي في تدبير شؤون الناس يوم الجمعة. وكان للسيدتين نفوذ كبير في مسار حياة الدولة العباسية بمكرهما.
وعندما ثار القائد التركي مؤنس على الخليفة المقتدر، جهّز جيشا لقتاله فأعوزه المال، فطلب مالا من والدته شغب التي لم تعطه. فذهب بجيش متهالك ضعيف فانهزم وقتل وتولّى الخلافة بعده أخيه القاهر الذي نكّل بالسيدة شغب رغم رعايتها له وهو صغير، لأنه كان مقتنعا بأنها من قتلت والدته.
وفي تاريخ الدولة العثمانية العديد من المؤامرات التي كان أشدّها قسوة ما قامت به الملكة صفية، وكانت أميرة من سلالة أسرة من مدينة فينيسيا الإيطالية تمّ سبيها في معركة بحرية وانتهى بها المقام في قصر الخليفة العثماني مراد الثالث، وصارت زوجته وأنجبت له ابنه محمد.
وحين اعتلّت صحة مراد الثالث طلبت من ابنها الذهاب إلى قاعة العرش لتلقي التعازي بوفاة الخليفة الذي كان حياً حينها، فذهب محمد فلم يجد إخوته الثمانية عشر. وعندما سألها قالت له إنهم ينتظرون جثمان والدهم في مخدعه. والحقيقة أنها كانت قد دبّرت خنق كل هؤلاء دفعة واحدة في الليلة السابقة، وأبقت على حياة ولدها محمد الذي صار خليفة عثمانيا بعد والده مراد الثالث بسبب هذه المؤامرة والمجزرة الدموية.
من يقرأ كتب التاريخ يجد أن الله سبحانه وتعالى خلق البشر للسلام والعيش بأمن وأمان وعبادته وخلق لهم العقول التي يجب أن تكون راجحة للتشريع وسن القوانين وطاعة الله سبحانه وطاعة أولي الأمر وحسن عبادة الله جل علاه وتعمير الأرض والعيش بأمن وأمان وسلام، ولكن الإنسان منه الصالح ومنه الطالح، ولذلك على الإنسان أن يحفظ النعم التي أنعم الله بها عليه لعيش معها مستقرا بعيدا عن التأمر والجري وراء الفتن ما ظهر منها وما بطن ..
اللهم نحن نعيش بنعمة فشكرا لك يا رب العالمين، ومن قصص التاريخ لعلنا نتعظ من حضارات سادت ثم بادت بفعل كيد الإنسان للإنسان.

أقرء أيضا