تاريخ اليوم الإثنين 20/09/2021

الألعاب الفرديّة طريق أقصر إلى الميداليات وعلاج ناجع لهزالة الحصاد الأولمبيّ العربي

27 يوليو 2021
وفيق حمدان
عاديّاً وبسيطاً كان حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الحالية، «طوكيو 2020»، وكان مثيراً للاهتمام والتساؤل اعتماد لغة غير اللغة الإنجليزية في ترتيب دخول الوفود المشاركة للمرة الأولى في حفل الافتتاح منذ عقود. فدخول الوفود البعثات الـ 204 المشاركة هذه المرّة رُتّب بحسب الحروف الأبجدية اليابانية، لكِنْ رُوعِيَت الثوابت المعتمدة الأخرى كدخول اليونان أولاً كونها مَهْد الألعاب الأولى عام 1896 فوق جبل أولِمب، تلاها الفريق المشارك تحت العلم الأولمبي، ووصولاً إلى آخر المشاركين، وفد اليابان، الدولة المضيفة، والذي سبقه مباشرة وَفْدا الولايات المتحدة وفرنسا مضيفتَي الألعاب الأولمبية الصيفية المقبلة عام 2024.  
ولقد أسعدتني عودة العلم الكويتي إلى الحضن الأولمبي في حفل الافتتاح بعدما كان قد غاب عن دورة 2016 في ريو دي جانيرو البرازيلية ممنوعاً بقرار من اللجنة الأولمبية الدولية. لكنني سأكون أكثر سعادة إذا ما تمكّن رياضيوه، وكل زملائهم العرب، من رفع أعلامهم على سواري التتويج، فهذا هو الأهم، كي لا يبقى حصاد المشاركة العربية ضعيفاً، بالإجمال، كما كانت حالُنا في كل الألعاب الأولمبية التي تواجدنا فيها ابتداءً من العام 1912. 
فمن بين الدول العربية التسع عشرة التي تشارك حالياً في أولمبياد اليابان، نجحت 15 دولة فقط في دخول جدول الميداليات، وبلغ مجموع ما أحرزه الرياضيون العرب في 102 دورة ألعاب أولمبية صيفية على مدى 108 سنوات، فقط 109 مداليات، هي 27 ذهبية و27 فضية و55 برونزية. بينما، وعلى سبيل المثال، أحرزت اليونان وحدها، وهي ليست تلك الدولة القوية أولمبياً، 116 ميدالية ، منها 33 ذهبية. وبالطبع لم تحتسب للكويت الذهبية التاريخية التي أحرزها راميها الفذّ فهد الديحاني، ولا البرونزية التي أحرزها زميله ومواطنه عبدالله الرشيدي في «ريو 2016»،لأنهما شاركا حينذاك تحت العلم الأولمبي وليس تحت علم بلدهما. 
قد يتساءل البعض، عن أسباب هزالة الغَلًّة العربية في الأولمبياد عموماً، فأقول إنها عديدة، وأبرزها على الإطلاق، قلة الإمكانات المادية لدى غالبية دول هذه المجموعة، وغياب الإعداد العِلمي والعصري الصحيح للرياضيين العرب. وما يؤكد السبب الثاني، هو أن ثمّة دولاً عربية عديدة قادرة مادياً على تغطية النفقات المطلوبة كي تتحول رياضاتها إلى ما يُعرف برياضة الميداليات، بدل أن تبقى رياضة مشاركات رمزية لا أكثر، ومع ذلك، نجد أنها لطالما خرجت من «المولِد» الأولمبي بلا «حُمُّص»، أو بفتات الموائد في أحسن الأحوال. 
هنا، أستعيدُ ما أثار فضولي في محاضرة قيّمة ألقاها في بيروت منذ أكثر من 15 سنة، مدير عام المجلس الأولمبي الآسيوي، الكابتن طيار حسين مسلّم، الذي أهنئه على مثابرته وثقافته الواسعة اللتين أدّتا إلى انتخابه رئيساً للاتحاد الدولي للسباحة في حزيران الماضي. يومها قال، واستناداً إلى دراسات علمية دقيقة، أن برنامج إعداد سبّاح حتى يصبح قادراً على الفوز بذهبية أولمبية يتطلب بضعة ملايين من الدولارات. ولقد تثبّت من صحة تلك المعلومة في حينه بدافع من الفضول الصحافي. 
وعندما نعرف أن مئات الدول قادرة على تأمين هذا المبلغ ولم تحظَ بأي ميدالية بعد، نفهم أن ليس بالمال وحده تُحرَز الميداليات، بل إن هناك أسباباً جوهرية أخرى تلعب دوراً حاسماً في صنع البطولات، أولها وجود كشّافي مواهب مؤهلين، وتوافر إرادة الفوز والحافز الكافي والاستعداد للتضحية والمثابرة لدى المواهب المكتشفة مع برنامج إعداد وتدريب احترافِيٍّ ومدروس. هذه العوامل هي التي تغني عن توافر شروط أخرى للفوز بميدالية، كالمال والتعداد السكاني الهائل. فلقد علّمنا التاريخ أنّ دولاً فقيرة وقليلة العدد، بل ربما هامشية، أتقنَت لعبة إحراز الميداليات ونجحت، معتمدة على أقصر الطرق نحو منصة التتويج. 
فلقد أدركت هذه الدول أن الألعاب الفردية هي أقصر طريقٍ إلى الذهب والفضة والبرونز والكؤوس من الألعاب الجماعية، فاعتمدتها، ونجحت في حفر اسمها في جدول الميداليات كما فعلت سورينام الدولة الفقيرة التي لا يبلغ تعداد سكانها مليون نسمة عبر سباحها الظاهرة «أنتوني نستي». كما أنّ دولاً فقيرة وغنية أخرى ركزت على ألعاب فردية أوصلتها إلى جدول الشرف الذهبي، كالكويت وقطر والإمارات والسعودية وسوريا والأردن وكينيا وأثيوبيا وغيرها، بينما تعثرت ألعابها الجماعية ولم تذُق طَعم المعادن الأولمبية. 
فالمنطق يقول إن إيجاد أحد عشر لاعبَ كرةِ قدم موهوبين لتشكيل فريق منهم يستطيع أن يحرز في المحصِّلة ميدالية واحدة، هو أصعب وأكثر كلفة من اكتشاف عدّاء واحد موهوب أو لاعب كرة مضرب أو سبّاح أو رافع أثقال واعِدِين، يستطيع كل واحد منهم أن يحرز ميدالية أو أكثر متى تم إعداده جيداً. وهكذا يتَّضح لنا أننا مخطئون بتركيزنا على المتعة والجماهيرية فيما نختاره ونهتم به من رياضات، ونهمِل رياضات أخرى هي أكثر قدرة على إيصالنا إلى منصّات التتويج وشرف الفوز بمعادِنِها وكؤوسها.