تاريخ اليوم الأحد 29/05/2022

الديمقراطية والأمن القومي

25 يناير 2022
د. دانة علي العنزي
منذ تأسيس الدولة القومية بمفهومها الحديث، والبقاء هو الهدف الأهم لها وللقائمين عليها، وهو الهدف الذي قد تسعى في سبيله للتضحية بأموالها ودماء أبنائها، ونظرًا لعدم وجود سلطة دولية لكي تحفظ السلام العالمي، وتمنع رغبات بعض الدول في اللجوء إلى الحرب لتحقيق أهدافها، فقد استمر اعتماد كل دولة على إمكانياتها الخاصة من أجل الحفاظ على أمنها.
ونظرًا لأن هدف حماية الأمن القومي يتخطى في أهميته أي هدف آخر، فقد يعني ذلك تبني النظام الحاكم العديد من الإجراءات التي تأتي على حقوق وحريات الأفراد تحت مسمى حماية الأمن القومي من الأخطار التي تهدده، أو ما يتصور أنها قد تهدده. 
وعلى جانب آخر، نجد أن الديمقراطية، مثلها مثل الدولة، يأخذ تأسيسها بعداً تاريخياً واجتماعياً؛ فهي عملية طويلة المدى وليست حدثاً منفرداً، أو حتى مخرج لأحد القرارات أو الأحداث؛ بل يمكن القول إن الديمقراطية هي نتاج لنضال ضد الحكم الاستبدادي، تجد بعده المجتمعات أنفسها في وضع مختلف مع أنماط مغايرة من الحقوق، والواجبات التي يتطلب تفهمها وحسن التصرف معها وقتًا طويلًا هو عمر تأسيس عملية الديمقراطية. وخلال تلك العملية تتقلص القبضة الأمنية للدولة، في سبيل منح المواطنين مزيدًا من الحريات. 
وبهذا الشكل المبسط، قد يبدو أن هناك تضاربًا بين الديمقراطية والأمن القومي في الأهداف والوسائل؛ فالإجراءات التي يتم اتخاذها لبناء عملية الديمقراطية، قد يعتبرها البعض مهددة للأمن القومي من جانب، والإجراءات التي يتم اتخاذها لحماية الأمن القومي قد يعتبرها البعض مهددة لعملية الديمقراطية من جانب آخر. 
على سبيل المثال في أبريل 1996، وبعد عام من حادث تفجير المبنى الفيدرالي في مدينة أوكلاهوما الذي أودى بحياة 161 فرداً وأصاب المئات، أصدر الكونجرس الأمريكي قانون مكافحة الإرهاب، وعلى الرغم من أن هذا القانون كان موجهًا بالأساس للأجانب المقيمين في الولايات المتحدة، إلا أن بعض المحللين اعتبره أسوأ انتهاك للحقوق المدنية منذ عقود، إلا أنه، ومع القول بأن السياسات الأمنية قد يكون لها تكلفتها الباهظة التي يدفعها المواطن من خلال تقليص حرياته وحقوقه، فهذه السياسات ليست خاطئة بالإجمال، وحتى إن كانت تحمل طابعًا استبداديًا، فليست بالضرورة ذات مغزی استبدادي كما يقول أحد القضاة «يعلمنا التاريخ أن الخطر الشديد للحريات يأتي غالبًا وقت الأزمات، حينها تكون الحقوق الدستورية قد تم الإسراف فيها بشكل لم يعد تحمله».
وفي نفس الإطار، فإن العديد من المحللين قد نادوا بخطورة تطبيق الديمقراطية على بعض المجتمعات؛ لأنها قد تؤدي إلى عدم الحفاظ على الهوية الوطنية لتلك المجتمعات، ومن ثم، فإن العلاقة بين الديمقراطية والأمن القومي تصبح محكومة بالعديد من العوامل والتي تحدد إن كانت العلاقة ذات تأثير سلبي أو إيجابي.
كل ذلك يثير مجموعة من الأسئلة: مثل ما هي أبعاد العملية الديمقراطية؟ وما هي الأبعاد التي يرتكز عليها الأمن القومي في بنائه؟ وما هي الآثار الإيجابية التي قد يتركها الأمن القومي على القيم؟ وما هي الآثار السلبية التي قد يخلفها؟