تاريخ اليوم الأربعاء 12/05/2021

وماذا بعد تكتيكات الجلسات!

18 أبريل 2021
د. عبدالله يوسف سهر
بقلم: د. عبدالله يوسف سهر
أستاذ في جامعة الكويت
سألني أحد الأصدقاء عن رأيي فيما حدث في جلسة قسم الحكومة وما صحبها من صخب وجدل، فقلت له بغض النظر عما حصل ومن كسب ومن خسر؛ أعتقد بأن الأهم من تلك الجولة هو التطلع لما سيحدث بعد ذلك! ومثلما توقعت حدث ما حدث في الجلستين الأخيرتين من لغط ومظاهر غير مسبوقة! ما دعاني إلى أن أرد  السؤال بالسؤال، يتلخص في التوضيح بأن العملية السياسية، خاصة إن كانت متمخضة من معترك، سيكون لها تداعيات كما كانت ذات جذور. المحلل المتميز يعالج للظاهرة السياسية من خلال مسارين، الأول هو أن يغوص في أعماقها ليكتشف جذورها، والثاني من حيث استشراف "تداعياتها" المتولدة منها من أجل توقع مشاهدها المستقبلية. ما حدث في هذه الجلسات لا ينفصل إطلاقاً من الإرهاصات التي سبقت ذلك منذ الانتخابات الأخيرة. ففي تلك الانتخابات كان هناك موجة كبيرة للتغيير ودور بارز للشباب وجو من الاستياء السياسي من الوضع السابق، وفي ذلك تفصيلات أكثرها معروفة. نتائج الانتخابات عكست تلك الأجواء ومن ثم انبرى مجموعة من الأعضاء ومن كافة المشارب لمواجهة ما يعتقدون بأنه تركة سياسية وتلبية الاستحقاقات الانتخابية التي طالبوا بها أثناء حملاتهم الانتخابية. وفي الجلسة الأولى أصبح انعكاس ذلك المشهد أكثر وضوحاً في عزم أغلبية النواب في ترجمة التغيير الذي تبنوه بغض النظر عن صحة الأسلوب من عدمه، وقد التأم سلوك الأغلبية داخل قاعة عبدالله السالم بشكل يراه الكثيرون بأنه غريب أو غير صحيح ابتداء في الباركود وانتهاء بما حدث في الجلسة التالية، بينما يراه فريق آخر هو الأسلوب المناسب لمواجهة مفتقدة للقيم الدستورية. 
بعد ذلك، استقالة الحكومة في مهدها وفطامها كان في شهرين جراء ذلك التصعيد وآثاره. وما لبثت الحكومة أن تعود بتشكيل عرجون قديم جديد حتى دخلت مجموعة 16 بشيء من التفاهم مع رئيس الوزراء حول مجموعة من القوانين والاستحقاقات الصعبة والتي واجهها سمو الرئيس بلين سياسي كبير، فكانت هنالك بارقة أمل، ولكن لأسباب تتعلق بعدم الثقة وشدة الاستقطابات وأخرى متصلة بمجاراة سقف مطالب الشارع المرتفعة والمنتفخة، انفرط عقد التفاهم فتقدم ثلاثة أعضاء من مجموعة الـ 16 باستجواب لسمو الرئيس. ومن هنا يتضح لأي متابع ومحلل سياسي حصيف مدى عمق جذور المشكلة التي تتصل بقضايا كبيرة مثل ملف العفو واختلاف كبير بشأن مفردات ملف الفساد، وأخرى تتصل بعلاقة السلطتين التشريعية والتنفيذية. فكان الأجدر أن يكون هناك وضوح في استعراض هذه القضايا بدلاً من التلبد خلف قوانين ومطالبات ومفاوضات ليست هي الأسباب الحقيقية للخلاف "الصفري".
أما من حيث ما حدث في الجلسة، فقد يعتقد أحدهم بأن بعض القوانين التي أقرت ستحل المشكلة أو أنها ستكشف فسطاط النواب ونواياهم وخططهم، لكن الحقيقة أن كلاً من الفريقين يستطيع أن ينسب الفضائل إلى نفسه. في كل الأحوال وبغض النظر عن الانتصارات التي يدعيها كل فريق، فإن التوتر والصراع سيستمر ولن ينتهي بإقرار هذه القوانين أو بتحصين سمو الرئيس لأمد من الزمن، بل إن حدة المواجهة تبدو أكثر صعوبة وشراسة في القادم من الأيام. فكلما ازدادت حدة المعادلة الصفرية بين الطرفين كلما ازدادت معها حدة السلوك السياسي تجاه الآخر ما ينتج عنه بالأخير أزمة كبيرة ووخيمة يدفع ثمنها الوطن. 
إن التفكير والتوقع بردة الفعل وما يتبعه من فعل ومن ارتدادات أفعال على شكلٍ جدلي في تلك المواجهة أمر في غاية الأهمية. فنحن لا نواجه اختلافات في وجهات نظر تنتهي بحسمها وفق تصويت الأغلبية فقط وإنما نواجه تداعيات أمواجها تعلو شيئاً فشيئًا بشكل تدريجي، والخوف إن لم تحل بشكل جذري ستنتهي بتسونامي يجعل الخسارة لجميع الأطراف.
فعلى سبيل المثال وليس الحصر... ما هو متوقع في حال تتابع تقديم الاستجوابات لسمو الرئيس بالرغم من قرار تحصينه! وماذا سيكون الحل لو تم اللجوء إلى سياسة تكسير الأسنان واستهداف كل وزير على حدة وبشكل دوري بشكل يجعل الحكومة في موقع محرج والمجلس في دوامة تأزيم، والشعب أيضاً في أتون سجال حركي ونظري قد ينتهي "بمشهد" صعب لا سمح الله بذلك؟!
ومن جهة أخرى، كيف ستتم معالجة الاستحقاقات الاقتصادية التي ستحل على الحكومة نتيجة استرضاء الجو الشعبي وزيادة الرصيد الانتخابي للنواب الذين وقفوا معها؟ فإن لم تفعل، سيخرج عدد من هؤلاء المتوافق معها لينتقل إلى الفريق الآخر ضماناً لمستقبلهم السياسي، فما عساه تكون الحكومة حينئذ؟ ومن جهة ثالثة، كيف ستتعامل المؤسستان مع حالة الاحتقان المتزايد بين السلطتين في المستقبل المنظور؟ وفي الجهة الرابعة يقف سؤال آخر مستحق وهو... في حالة استقالة الحكومة مرة ثانية أو حل المجلس لإعادة الانتخابات ما هي النتائج المتوقعة؟ كل تلك الأسئلة وغيرها يجب أن يتم تناولها في طي المواجهة المحتدمة بين الطرفين. لن تكون هناك إجابات سهلة لتك الأسئلة الصعبة، بل توقعات وتكتيكات وردود أفعال وأفعال وهكذا دواليك والوقت يمر كالسيف! ومن هنا تنبري أهمية إيجاد سبيل خروج واضح يرتضيه جميع الأطراف بشكل توافقي وفقاً لمعادلة توازن "نسبية المشروعية وواقعية المصالح".
في السابق، تحدثت عن متلازمة الدورة الثلاثينة التي تجتاح الكويت منذ 1899 المعاهدة البريطانية بعد الإرهاصات التي صاحبت تولي الشيخ مبارك الحكم في عام 1896، ومن ثم الى عام 1933 التي صاحبت تولي الملك غازي ومطالبته بالكويت وإرهاصات المجلس حينها، مرورا بعام 1961 التي واكبت استقلال الكويت وتحول المتغيرات الإقليمية والدولية حينها، وصولاً إلى ما حدث في عام 1990 عندما حلت كارثة الغزو وما سبقها من حراك داخلي للمطالبة بعودة الديمقراطية، وبناء على تلك الدورات التاريخية تنبأت بأنه في عام 2020 ستحل بداية الدورة الثلاثية الرابعة التي نشهد ارهاصاتها ومظاهرها والتي ستأخذ وقتاً قد يمتد إلى عام 2025. 
ما أستطيع قوله هو أن في تلك المتلازمات الثلاثينية تم التوصل إلى حل وقد ساعدت الظروف "والصدف" التاريخية  لبلوغ بر الأمان بشكل سلمي، أما في الحالة الراهنة فيمكنني القول بأنه كلما ازدادت الفترة الخلافية كلما ازدادت الحدية الصفرية بين أطراف النزاع ومن ثم ستكون المعالجة أصعب، فلا تدعوها يا أولي الألباب تصل إلى مداها حينها قد يكون الحل صعباً ومكلفاً. حفظ الله الكويت وشعبها وأميرها من كل سوء.