تاريخ اليوم الخميس 24/06/2021

همسات رمضانية.. المرأة السوداء والوشاح الأحمر

08 مايو 2021
د.أحمد عثمان أبوسيدو
مواقف وأحداث اجتماعية في التاريخ العربي والإسلامي تركت بصمات لا يمكن أن تنسى وتناقلتها الأجيال بكل فخر واعتزاز عبر التاريخ.
من هذه المواقف قصة امرأة كانت تدعى المرأة السوداء واشتهرت بهذا الاسم رغم انها كان اسمها ام محجنه.
هذه السيدة كانت تجلس عند قبيلة من القبائل العربية في مكة المكرمة وكانت تعمل معهم خادمة وفي يوم من الايام طلبت منهم العتق فأعتقوها لما لها من سنوات خدمة طويلة معهم.
فقالت: إلى أين أذهب؟
أجلس عندكم وآكل من طعامكم واشرب من شرابكم على ان اخدمكم خلال هذي الفترة؟ فوافقوا على ذلك فجلست عندهم.
وكان للأسرة طفلة صغيرة تقدم لها احد الشباب وخطبها وكان من عادة العرب في ذلك الحين عندما تخطب فتاة لديهم يوضع عليها وشاح احمر، فلما لبست الوشاح دخلت دورة المياه، ووضعت الوشاح الأحمر على الباب ودخلت، وهنا جاء طير الحدأة، والمعروف ان هذا الطير إذا شاهد اللون الأحمر انقض عليه، وبالفعل انقضت الحدأة على الوشاح الأحمر وأخذته.
وبعض الناس للأسف إذا سرق اي شيء في البيت توجهت افكارهم وشكوكهم الى الخادمة. ولما خرجت العروس الصغيرة ولم تجد الوشاح قالت: أين السوداء؟ ففتشوها ونزعوا ملابسها وعروها تماماً للبحث عن الوشاح.. وهنا هبطت على ركبتيها حتى لا يروا اجزاء جسمها وعورتها، ثم بكت وبدأت ترفع يديها إلى الله تبارك وتعالى وتشكو قائلة: اللهم انك تعرف ما فيني من الضعف والضنك... علماً بأنها لم تكن على الدين الإسلامي وهنا تركت دين مكة من اصنام وعبادات وقرعت ابواب السماء ونحن نعرف ان دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
قال عليه الصلاة والسلام: ان دعوة المظلوم كأنها شرارة وتقبل دعوة المظلوم وان كان غير مسلم.
ولم تنزل يديها وهي مرفوعة للسماء الا والحدأة قادمة وتحمل الوشاح الأحمر، فأنزلت الوشاح فسقط على الأرض، فطأطأوا رؤوسهم جميعاً ندماً على ظلمهم لها لأنهم استعجلوا بالحكم عليها.
فقالت السوداء: بيني وبينكم المفارقة. الآن هي تستعد للقاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصبحت من النساء ممن حول النبي ودخلت المدينة ورأت النبي عليه الصلاة والسلام وبايعته على الإسلام وأسلمت، ثم طلبت منه طلباً واحداً وقالت له: يا رسول الله اجعل لي غرفة في المسجد النبوي أريد ان اكون خادمة في هذا المسجد حتى أموت، فوافق النبي عليه الصلاة والسلام ووضعت لها غرفة داخل المسجد النبوي كانت تخرج منها يومياً عند الفجر فتنظف المسجد وتزينه وتطيبه وتجعله في أبهى صورة.
وكان لها مواقف غريبة وعجيبة لدى زيارتها لأم المؤمنين عائشة، تحب ان تتردد اليها وتتكلم معها ومنها تزور النبي صلى الله عليه وسلم يوميا.
وكان لديها كلمة ترددها يوميا عندما تزور عائشة تقول بيت من الشعر ثم تخرج: 
ويوم الوشاح من تعاجيب ربي... إلا أنه من ديار الكفر نجاني
تقول عائشة رضي الله عنها: كنت اسمعها لكن لا ادري ما وراء هذا الكلام. ثم دخلت مرة وتحدثت مع ام المؤمنين في اليوم التالي، فلما انتهى الحديث وارادت الخروج قالت بيت الشعر وخرجت فمسكت بها ام المؤمنين عائشة وقالت لها: ما قصة الوشاح؟ فقالت لها قصته.
ثم بعد ايام اراد الله ان يكتب منيتها فتوفاها الله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم نائم والصحابة اخرجوها وصلوا عليها ودفنوها، فلما جاء الفجر قال عليه الصلاة والسلام: اين السوداء؟ لان لها بصمة رائدة ولهذا فإن المرأة الصالحة التقية الرائدة تضع بصمة رائدة.
قالوا: توفيت في الليل يا رسول الله، فقال: لماذا لم توقظوني لأصلي عليها؟ قالوا: يا رسول الله توفت في الليل فما أردنا ان نوقظك، فقال: دلوني على قبرها، وذهب إلى القبر وصلى عليها وقال: ان هذه القبور ملئت على اصحابها ظلماً وان صلاتي عليها نورا لها يوم القيامة.