تاريخ اليوم الأربعاء 08/12/2021

نصيحة.. عجلوا في مضاعفة سر قوة الدولة

16 نوفمبر 2021
د. عبدالله يوسف سهر
لست بصدد استعراض نظري أو فكري مجرد، بل أحاول ان اوجز خلاصات علمية استسقيتها من قراءات كثيرة وعميقة على مدى أكثر من ثلاثين عاماً في بحور احوال الأمم، والدول التي منها من صمد وصعد وبعضها الآخر وهن واندثر، مصير تلك الدول كان مرتهناً بخياراتها أمام التحديات التي واجهتها. فالدول التي صمدت واستمرت في صيرورتها خلال القرون الثلاثة الماضية، قد واجهت ذات التحديات التي واجهتها نظيرتها التي اندثرت، بيد ان الاختلاف بينهما يتمثل في تباين الاختيارات التي اتخذتها حكوماتها وقياداتها، ولعل لمحة سريعة على مسيرة تلك الدول تقص علينا احسن القصص لتلك البدايات والنهايات.
وكمواطن أود ان اقدم نصيحة لمتخذي القرار في بلدي انطلاقاً من مسؤوليتي وواجبي تجاه وطني الذي ادين له برقبتي بالافضال التي لن توفى أبداً.
ايها السادة، الكويت بلد ووطن عريق، قبل ان تكون دولة مستجدة على قارعة الطريق. الكويت بدأت ككيان سياسي واجتماعي واقتصادي قبل نحو ثلاثة قرون تقريباً، شابها تحديات كبيرة وكثيرة تقاطعت فيها سبل الدول الكبرى وأطماع الجماعات الصغرى ناهيك عن ملمات ضنك الحياة القاسية، ولكنها صمدت بل وازدهرت، لم يكن ذلك الصمود والازدهار بفضل القوة العسكرية الكبيرة التي تفتقر اليها، ولم يكن ذلك من خلال قدراتها الاقتصادية المتواضعة قياساً ببعض جيرانها، ولم يكن ذلك ايضا بفضل تحالفاتها الهشة مع من حولها، ولكن الأصل والفضل كان لقوة مجتمعها وتلاحمه مع قيادتها التي آثرت الحكمة على الحكم.
ليس في ما سبق تضخيماً او مبالغة، بل هو مشابهة للكثير من احوال الامم التي صمدت وتجاوزت اختبارات الزمان القاسية، خاصة خلال القرون الثلاثة الماضية. جميع الدول التي صمدت، كالكويت، قد واجهت تحديات خارجية كبيرة، لكنها نجحت في التصدي لها، من خلال قدراتها على خلق جبهة داخلية وطنية تتجاوز الولاءات الخاصة الدنيا، وعبر ذلك التوظيف لقوة العقيدة الوطنية والقدرة على المحافظة على التماسك المجتمعي في اطار الشعور القومي الداخلي، تبرعمت طموحات الإبداع والانجاز شعبياً ومؤسسياً. لم تكن الاطروحات الوطنية شعارات او اغاني او مجرد اناشيد تذاع بالمناسبات فقط، وانما ترجمة حقيقية اخذت صولاتها في تشجيع التعليم الابداعي والبناء المؤسسي للدول. فالاختيار للاختبار لم يكن الى اساس المقاربات الدمية والعشائرية او الفئوية بل كان على اساس قدرة هذا الفرد على الانجاز والابداع والبذل والعطاء.
الدول التي صمدت لم تترك مجالاً لثغرة صغيرة في جدار التماسك المجتمعي الذي كان هو بمثابة الرأسمال الحقيقي والطاقة اللامتناهية المستجدة في صيرورتها وسيرتها في مكابدة قاهرات الدهور.
في الوقت الراهن، الذي نشهد من خلاله تحولات كبيرة في النظام العالمي وتقلبات في موازين القوى، وانعكاسات ذلك على المعادلات السياسات الاقليمية، وفي ظل سعي دول كثيرة ذات على علاقة بمجريات الامور في بلدنا وما حوله، لا شك من اننا نعيش في قلب اتون مرحلة مهمة تحتشي بطنها تحديات خطرة. وفي ظل ارهاصات واشكاليات داخلية مهمة تهم جميع المواطنين، فإن تلك التحديات تكون مضاعفة الخطورة.
ومن لا يرى ذلك، فعليه ان يمعن النظر كرَّتين وبشكل مجرد من عواطفه او ممن يطوف حوله منكباً على وجهه، وسيرى الخيط الأبيض من الخيط الاسود بسهولة لفجر عصر جديد دون الاستعانة بمنظار من هذا او ذاك.
وبصراحة تامة، فهناك دول لعلها لا تكترث لاستقرار الكويت وازدهارها الا من خلال مصالحها فقط، فإذا كانت مصالحها تتطلب ثقب الجدار الاجتماعي والوطني فدون شك ستفعل!
وعلى ذلك، ليس مهما في هذه المرحلة الاستجابة لمساعي تلك الدول او الجهات دونما ان يكون ذلك في اطار صيرورة الكويت واستقرارها وازدهارها، كل الحق لاي دولة ان تبحث عما يحقق مصالحها، وفي سياق ذلك لنا الحق ايضاً كدولة عمرها يناهز الثلاثمائة عام ان نحقق مصالحنا المتمثلة باستقرارنا وازدهارنا.
نصيحة مواطن متواضع متعلم من تجارب ذلك الفيض في سيرة قرون زمن للكثير من تاريخ الدول، اقولها بصراحة وحرص وصدق، حافظوا على جدار التماسك المجتمعي وبناء رأسمالكم الاجتماعي فهو ذخركم لتحديات دهركم.