تاريخ اليوم الإثنين 17/05/2021

موسم العودة إلى الجنوب!

19 أبريل 2021
د. نزار محمود
إنها جواب على ما كتبه الكاتب الراحل السوداني الطيب صالح، في روايته: موسم الهجرة إلى الشمال.
لقد عرف البشر الهجرة والغربة عن الوطن منذ آلاف السنين لأسباب معيشية أو من أجل البحث عن الأمن والسلام والسعادة. لكن الأرض لم تكن مفروشة بالورود دائماً للبشر في هجرته وغربته. فكم من عانى، وحتى كم من مات، وهو في طريقه الى هجرته واغترابه، وكم من واجه الأهوال والآلام.
أتينا الى أوروبا شباباً ننشد الحياة في حرية ومستقبل زاهر لا تنغصه عصبيات القبليات وثقل بساطيل العسكر واعتقالات الأمن وتعذيب السجانين. جئنا الى أوروبا بحثاً عن فردوس كنا نعيشه حلماً في أفكارنا وعواطفنا وحتى غرائزنا التي ما كان لنا إلا دفنها وكبتها بين ساقينا وقلوبنا.
كذبنا وزورنا، ارتعدنا ورجفنا أمام شبابيك بوليس الأجانب، وانتظرنا على أحر من الجمر أختام السماح بالعبور أو الدخول أو الإقامة.
كان علينا تعلم لغة القوم، ونتعايش مع ثقافتهم وأمزجتهم، ونتحمل الآهات والإرهاصات. رضينا بضيق المكان إيواءً، وبقلة الطعام غذاءً، وبطول صبر وعسر مجاهدة من أجل تراخيص الإقامة والعمل. وعندما كنا نحصل على إحداها تظهر في نفوسنا حاجات أخرى.
منا من تعلم، ومنا من تدرب، ومنا من عمل وتوفق في مسعاه، ومنا من عذبته نفسه الكسولة والرافضة أو تعثر معه الحظ في كل شيء! ومنا من جرفته أضواء الليالي الحمراء وطاولات القمار وسهرات الخمر والمخدرات. وهكذا تنعم هذا، وتعذب ذاك.
بعد سنين طويلة يلتقي نفر من أصدقاء الهجرة والغربة، ويروحوا يتحدثون عن موسم هجرتهم الى الشمال.
تحدثوا بصدق، ولم يكونوا في أحاديثهم من الكاذبين. تحدثوا عن معنى الحياة ودور الإنسان فيها، تحدثوا عن ما جنوه وما فاتهم، وعن ما قاموا به وعن الذي تمنوه ولم يبلغوه.
تذكروا آباءهم وهم ينظرون الى أبنائهم، تذكروا طعم حليب أمهاتهم ودمعات توديعهم، تذكروا الأزقة التي ترعرعوا فيها والالعاب التي تسلوا بها. لكنها ليست ذكريات ابنائهم ولا هي اوطانهم.
ينظرون في عيون بعضهم التي تملؤها تساؤلات كثيرة حول ما تبقى لهم من سنوات عمر وحول مستقبل ابنائهم وأحفادهم، وهم يهمون بالإجابة على تساؤلاتهم: هل حان موسم العودة الى الجنوب، وهل بقي هناك أصلاً من جنوب؟! أم أن شمالنا أصبح جنوباً، حيث دارت بنا الأرض وحكم القدر؟