تاريخ اليوم الخميس 24/06/2021

من هم اصدقاؤك الحقيقيون؟

08 مايو 2021
د. عبدالله يوسف سهر
لربما تأتيك إجابات عديدة حول السؤال الوارد في العنوان، ولربما جميعها تعبر عن تجارب ذاتية او خبرات منقولة، لكن اجابة محمد فؤاد باشا قائد وهو صاحب منصب الصدر الاعظم (بمثابة رئيس للوزراء) في عهد الدولة العثمانية كانت إجابته ذات دلالة تاريخية حيث ينقل انه قال:
"حاليا أنا في السلطة.. لا أعلم!".
لقد كان محمد فؤاد باشا من القادة العثمانيين الافذاذ في سوح المعارك وايضاً في الشؤون الادارية، علاوة على مهاراته العالية في فنون التفاوض، وقد بلغ ذروته في عهد السلطان العثماني عبدالعزيز الاول فكانت اضافاته قد راكمت الثراء في ميزانية الدولة. لقد جمع خبرات متراكمة من خلال مناصبه التي تبوأها خلال مسيرته السياسية والعسكرية فعرف الناس واختبر الغث والسمين منهم، واعترك الحياة مع الاعداء وقت الحرب وتناول معهم الطعام والشراب على موائد التفاوض. وبطبيعة الحال قد تدنى اليه المتزلفون والاوفياء واصدقاء منتصف الطريق او القلة الذين واصلوا الطريق معه. وبغض النظر عن سياسته التي اتبعها والتي اتسمت احيانا بالقوة والواقعية لكنه كان بمثابة الرجل الاصلاحي في وقته واختط لنفسه طريقاً وعراً بين رياء وعاظ السلاطين في عهده ممن يقتاتون على فتات البلاط، ومن جهة اخرى خاض معركة مع مدعي التحضر والذين حصروا مفهوم الليبرالية بالتقليد الاوروبي اكلاً وشراباً ولباساً ونمطاً للحياة وسلوكا. لقد حاول ان يكون سياسياً محترفاً فحسب، ولهذا كان يتميز بالدهاء مع "الأعدقاء" في حين انه كان مخلصا للسلطان العثماني. وفي آخر عهده كتب الى السلطان العثماني عبد العزيز الاول: 
"لم يبق  من عمري إلا أيام قلائل وربما أقل، فاسمح بأن اعرض على جلالتكم أرائي وأفكاري الأخيرة، فالأصوات التي تنبعث من القبور تقول الحق دائما. إن دولة آل عثمان في خطر وبسبب أخطاء أجدادنا تقدم أعداؤنا بصورة مذهلة وتخلفنا نحن، وهذا دفع الدولة إلى هاوية الأزمات، إن الدولة العثمانية لا تستطيع الوصول إلى السلامة، إلا إذا أصبحت ذات قدرة مالية كالإنجليز، وقدرة فكرية وعلمية كفرنسا، وقدرة عسكرية كروسيا، إن الدين الإسلامي قد تبنى العلم دائماً... ولخلو الدولة العثمانية طوال ثلاثة أو أربعة قرون من زعيم فكري أو مصلح، وترك الأمر للدبلوماسيين المنبهرين بالغرب فماذا كانت النتيجة؟ فقدان الروح وضمور العقل وذبول الإرادة وسريان الشلل العام. 
ولكن مع الأسف لم يعر السلطان العثماني اهتماماً لتلك الرسالة الموجزة. لقد كان محمد فؤاد باشا يرى ان المشكلة الاساسية تتمثل في تبوؤ المتزلفين ومتواضعي الاداء للمناصب بالدولة العثمانية، وكان يرى اصحاب رايات النفاق والابواق ممن كان لهم صوت دون فعل يقودون الرأي العام، وكان يشاهد اصدقاء منتصف الطريق واصدقاء المصالح يتسيدون المجالس، بينما يُبعد او يبتعد  المخلصون والاكفاء والمصلحون، لقد كان يرى كل ذلك ولكن صوته قد خفت مع ابتعاده ومرضه فما كان لديه حيله الا بكتابة تلك الرسالة. بعد وفاته في سنة 1869 لم يمكث السلطان عبدالعزيز الاول الا سبع سنوات عجاف تخللتها اضطرابات ونزاعات نخبوية ادت الى خلعه من منصبه وبيد محيطيه ممن قربهم بيده وذلك في عام 1876 وقد تمت تصفيته بعد اربعة ايام من ازاحته. في تلك السنوات السبع تفشى الفساد في الدولة واصبحت تستلف الاموال من الدول الاوروبية وغدت مكبلة بالديون، فحينذاك بدأت رحلة انهيار الإمبراطورية العثمانية. والجدير ذكره ان تلك النخبة التي كانت تضم سياسيين وعسكريين ورجال دين والتي قد اثخنت الدولة العثمانية بجراح الديون والفساد اتت بمراد الخامس ابن اخ عبدالعزيز الاول كخليفة ولكنها خلعته بعد 93 يوماً بذريعة الاختلال العقلي!
لم يعرف السلطان العثماني عبدالعزيز الاول من هم اصدقاؤه الحقيقيون فانهارت سلطة، بل كلف اسلافه تبعات انهيار دولتهم خاصة وان اصحاب السوء هم الذين كانوا يتسيدون الموقف فكانت النهاية الحق التي قال عنها فؤاد باشا "اصوات حقيقة تنبعث من القبور ولكن بعد فوات الاوان".