تاريخ اليوم الخميس 15/04/2021

مستقبل الكويت وماضي رواندا

07 أبريل 2021
د. عبدالله يوسف سهر
رواندا عدد سكانها 12 مليونا ومساحتها 26 مليون كيلو متر مربع. لقد أبادت الحرب الأهلية مليون نسمة خلال أربع سنوات ما بين 1990-1994 بين قبيلتي الهوتو والتوتسي. ولكن بعد ذلك أدرك الجميع أن العيش الكريم ليس بالاحتراب القبلي والعنصري حيث لا ننتصر بذلك، بل الجميع سيخسرون، فاختاروا سبيل الديمقراطية والحوار والتفاهم وعزم الجميع على طي الماضي وتصفير المشاكل التاريخية والنظر للمستقبل، فكان لهم ما أرادوا. أول ما بدأ به رئيسهم التوايخي كاغامي هو خطة قوامها توحيد الشعب في إطار المصالحة المجتمعية والقضاء على الفقر، علاوة على ترسيخ العدالة والقضاء على الظلم. اليوم رواندا من أجمل عواصم إفريقيا والأكثر أمناً ونظافة. كما حققت المرتبة السابعة في النمو الاقتصادي عام 2016، والمرتبة 22 في ريادة الأعمال من خلال تبني مفهوم إنجاز الرخص الاستثمارية والتجارية عبر ما أطلق عليه "بالشباك الواحد"، الذي بموجبه يتم إنجاز تلك المعاملات ببعض ساعات وبذلك تحولت هذه الدولة الفقيرة إلى أكثر دول العالم صعودا في مؤشرات التنافسية. من الحرب والقتل إلى أكثر الدول مكافحة للفساد وحققت تنوعا اقتصاديا فريدا نتج منه مضاعفة دخل الفرد ثلاثين ضعفا مقارنة بالعشرين سنة الماضية. ركزت رواند على التنمية البشرية فخصصت حكومتها ما يزيد عن 40 %؜ للتعليم والصحة، وبفضل ذلك دخلت رواندا اليوم عالم التكنولوجيا وأطلق قمرها الصناعي وتخوض حاليا قصة جديدة في عالم الفضاء الإلكتروني والذكاء الاصطناعي.
نحن في الكويت وبفضل الله لدينا رواية تاريخية إبداعية تحملها ملاحم التضحيات والإصرار إلى البقاء والرخاء. لم تقع بيننا حروب أو صراعات مسلحة، ولدينا من الحكم المستقر والمسالم وتاريخ حكم لأسرة عريقة يمتد أكثر من 300 عام، ولدينا شعب يعشق الإبداع والتحدي وتعايش تاريخيا مع الديمقراطية، وقد حبانا الله بوفرة من العيش الرغيد، فلماذا نحن نتراجع وتزداد حدة الخلافات ويتأخر حال الدولة؟
نستطيع استغراق وقت طويل في الإجابة على هذا السؤال ونلقي باللائمة على بعضنا البعض لتنقطع بيننا سبل الحوار الإيجابي، وهكذا يضيع الوقت! وفي ظل التحديات الراهنة نحتاج الى تفكير جماعي بل وإدراك حقيقي بأنه لا يستطيع أي منا أن يهمش الآخر أو أن يخرجه من دائرة اللعبة السياسية بل الخيار الوحيد المتاح لدينا هو بالجلوس على مائدة واحدة لننظر بعين واحدة مستبصرة للمستقبل بعد أن نقبل جميعاً "بتصفير" مشاكلنا الماضية وتركها للتاريخ الذي لا نستطيع تغييره بأي حال من الأحوال.
نحن إذا أدركنا ذلك بصدق نستطيع محاكاة مستقبل واعد لنا ولأجيالنا ونحققه ببضع سنوات، كما فعلت رواندا ذلك البلد الفقير والمشحون بتاريخ القتل والتشريد وقصص الإبادات الجماعية.
في هذه المرحلة علينا أن نفكر بطريقة مختلفة عما نحن فيه، فالثأر أو التهميش السياسي لن يجدي نفعاً بل سيجعلنا نعيش في أتون معادلات التاريخ على حساب أرقام المستقبل.