تاريخ اليوم الثلاثاء 21/09/2021

مساجد على الطريق (2)

12 سبتمبر 2021
أحمد مبارك البريكي
أقف بالدراعة الموريتانية في ظل منارة مسجد شنقيط القديمة، والتي تعتبر أيقونة تاريخية توسم بها المدينة في كل وقت حتى باتت صورتها على صدر العملة ذات الألف أوقية، والأوقية هي عملة موريتانيا ويساوي الدولار مقابلها بثلاثة آلاف وخمسمئة أوقية بعد إزالة الأصفار الألفية. هذه المئذنة وتلك المكتبة التي تكنز في غرفها البدائية، أعظم المخطوطات ونوادر الكتب.. وألواح الكتابة الأثرية، مثل كتاب ابن خلكان والترمذي وألفية ابن مالك وبعض المخطوطات القرآنية التي يعود بعضها لزمن المرابطين. قابلني في المكان مسؤول المكتبة السيد سيف الإسلام وهو شيخ جميل اللسان واسع العقل مدبّر الكلام.. وذو حكمة وتجربة، تحدث كموسوعة فتحت في كل أمر شرّق وغرّب.. سألني هل أنت شاعر؟.. أجبته: لم أكن ولست بشاعر إنما أسعى بأن أكون شيئاً. أعجب بهذا الرد وجعل يردده كلما تنقل بحديثه في أسماعنا. أهديته كتابي وتمنيت أن يحتفظ به في المكتبة ليكون لي ومضة ضئيلة في كون مضيء. وعند توديع المكان المملوء بالعبق وذكريات الفاضلين تركت كلمات في سجل الزوار: «شنقيط يا بلاد العِلم والحفظة.. والتاريخ، يا إشعاعةً في صدر الزمان.. منك ظهرت شمسٌ، وفيك سكنت أقماراً».. التمشية بين جنبات البيوت الحجرية شيء جميل ولا يضاهى بمثلها في المدن الفارهة، فالمكان هنا على سجيته والناس، والريح تذرو المرو بنثرٍ غير مؤذٍ على أقل حال في هذا الصبح الشبطيّ اللطيف. بين الواحات هناك حيزٌ كبير للنفس، وتعاظم الكثبان لها وقع في الروح التي تنشد الاختلاء. والعزلة عن أدران الحياة الرتيبة، هذه منارة جامع مهجور، وواحات ونخيل. وخطى حافية وتأمل في الغروب فوق نعومة المنظر والرمال. جاء الليل بدعوة من سكان البلدة لحضور سهرة صوفية في مدح الرسول الكريم، فلبيتها ممنوناً وشاكراً.. فكانت الأناشيد والغناء الروحاني على وقع الطبول والآلات الوتريّة، والصوت المناجي وسط لمّةٍ سعيدة حضرها الصغار والكبار.