تاريخ اليوم الجمعة 30/09/2022

محطة في «يورك».. وليالي ديستويفسكي

19 سبتمبر 2022
أحمد مبارك البريكي
أتذكر رجوعي من ادينبرا الاسكوتلندية في القطار والنافذة تنفذ ببصري على الأراضي الخضراء.. والسهوب الواسعة وحقول الذرة، ومزارع البقر.. والقطار يقص بحار العشب بمحاذاة المحيط.. كانت مدينة يورك إحدى محطات التوقف، وهي المدينة العريقة التي أخذت منها (نيويورك) في العالم الجديد اسمها.. قررت حينما توقف القطار أن أنزل إليها وأتعرف أكثر عليها عن قرب. وأنا الذي عرفت عنها الكثير عن بعد، فهي المنطقة المركزية لمقاطعة يوركشاير آخر النفوذ الإنجليزي الى الشمال.. وهي المدينة التي اشتهرت بالصناعة خاصة صناعة الشوكولاتة و تجارة الصوف.. في الصورة تبدو خلفي أبراج (يورك منيستر) أو كاتدرائية يورك وهي الأشهر والأكبر على الاطلاق في شمال أوروبا وهي مقر ثالث رئيس للأساقفة في بريطانيا.. بنيت في عام 1472م على الطراز القوطي الذي ميّز ذلك العصر، ولها صحن مزخرف واسع للغاية وبيت فصل، وقد شيدت بالأعمدة ذات النهايات الشرقية واكتست إحدى شرفاتها بالزجاج الملون وقد كانت أكبر واجهة زجاجية في العصور الوسطى في العالم. وفي الجناح الشمالي توجد نافذة الأخوات الخمس، أما الجناح الجنوبي فتزينه نافذة الوردة، بينما تحتوي النافذة الغربية على تصميم على شكل قلب يعرف بالعامية باسم قلب يوركشاير.
 
***
"الحالِم ليس إنساناً. إنه مخلوق محايد"، دوستويفسكي أخذني هذا العبقري في ليلةٍ خصصتها لقراءة إحدى رواياته في (الليالي البيضاء).. وما إن أتممتها قراءة حتى عُدت بعد منتصف الليل.. إلى كلاسيكية سينمائية مقتبسة من ذات الرواية، وهو فيلم ايطالي منتجٌ في عام 1957م.. والحكاية كما تبدو من بعيد قصة تقليدية لشاب وفتاة يلتقيان على جسر نهر (فونتانكا) بسان بطرسبورغ القيصرية. ينسج الحب خيوطه حول قلبيهما التائهين.. في ليالي شمال روسيا البيضاء وهي ظاهرة طبيعية خارقة مدهشة تختص بها هذه المنطقة من العالم في80 يوماً من أيار وحزيران وحتى منتصف تموز، حيث يلتقي الشروق والغروب ويطول النهار بشكل غير طبيعي حتى لا يعود لليل وجود، ولا يحل الظلام.. والرواية عاطفية عن ذاك اللقاء العابر الذي استمر لأربع ليالٍ.. ثم انقضى وتبقت ذكرياته الحالمة.. كل ذلك بأسلوب روائي طوّعه صاحب رائعتي (الجريمة والعقاب) و(الإخوة كارامازوف).. لتكون ذات الصفحات المئة وستة.. كغوص في النفس البشرية وكشف عن أعماقها ومكنوناتها وهذا ما دأب عليه دوستويفسكي.. في جميع ما كتب.