تاريخ اليوم الخميس 24/06/2021

قيام الدولة وانهيارها

08 مايو 2021
د. فهد مرزوق العنزي
يعد مارتن فان كريفلد من أبرز المؤرخين الإسرائيليين المعاصرين، ويعمل أستاذاً للتاريخ بالجامعة العبرية في القدس المحتلة.
له العديد من المؤلفات في مجال تخصصه تدور حول موضوع "الحرب" منها تجهيز الحرب (Supplying War) صدر في عام 1978، مناهضة القوة (Fighting Power) وصدر عام 1982.
الكتاب الذي نحن بصدده بعنوان قيام الدولة وانهيارها (The Rise &Decline of the State ) صدر باللغة الإنجليزية في طبعته الأولى عام 1999م عن دار جامعة كامبردج، وأعيدت طباعته في عام 2000م وجاءت صفحات الكتاب في 439 صفحة واشتمل على ستة فصول رئيسية.
باختصار يحاول المؤلف استنباط مستقبل الدولة من خلال استقراء ماضيها، ولتحقيق هذه الغاية وزع كريفلد محتويات فهرس الكتاب إلى ستة فصول، كل واحد منها تناول حقبة تاريخية معينة ومثّل وحدة تاريخية مستقلة.
الفصل الأول: تناول فترة بداية التاريخ المدون تلك الفترة التي يمكن التأريخ لها بخمسة إلى سبعة آلاف سنة حيث لم توجد خلال تلك الفترة الأولى من تاريخ التطور البشري دولة أو سلطة مركزية، وقسمت إلى عدة أشكال، ثلاثة منها تميزت بصغر حجمها النسبي والرابعة تمثلت بالامبراطورية وتميزت بالاتساع والضخامة، نمط اجتماعي ميز العلاقات بين النخبة الحاكمة وأغلبية السكان، السلطة الدينية وثالثها الجيش.
الفصل الثاني من الدراسة والذي غطى الفترة الممتدة من 1300م وحتى عام 1648م او عام التوقيع على معاهدة وستفاليا - Westphalia، حيث شهدت هذه الفترة بدايات أو إرهاصات التنظيم الدولي، وأصبحت الدولة الوحيدة أو الفاعل الاهم في التنظيم الدولي. وولادة هذه المؤسسة نتجت عن مخاض طويل ومرير ميّزته الحروب الدامية في أوروبا.
الفصل الثالث غطى الفترة الممتدة من 1300م وحتى بداية الثورة الفرنسية عام 1789 وشهدت هذه الحقبة الفصل الواضح بين مؤسسة الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، والفصل الواضح بين مؤسسة الدولة من جهة ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى مثل الاحزاب السياسية والنقابات المهنية، وظهور العديد من المؤسسات الحديثة المرتبطة بالدولة مثل المؤسسة العسكرية، والشرطة والسجون وغيرها.
الفصل الرابع تناول بالتحليل العميق كيف أن الدولة اكتشفت واستغلت الرصيد العظيم للمشاعر الوطنية والتي غذتها كتابات هيغل وهيردر وفيخته، حيث تم توظيف هذه المفاهيم لتقوية ذاتها وإحكام قبضتها على الأمور، وغذّت هذه المشاعر وألهبت وقود حربين ضروسين في عام 1914م و1939م.
الفصل الخامس يصف لنا كيفية انتقال أو انتشار مؤسسة الدولة من موطنها الأصلي في غرب أوروبا حيث صارت النمط السائد في شرق اوروبا، والمستعمرات كذلك من خلال زرع المستعمر لهذا المفهوم، مثلا فرنسا اتبعت طريقة او اسلوب الحكم المباشر في مستعمراتها، بينما طبقت بريطانيا أسلوب الحكم غير المباشر.
الفصل السادس والأخير من الكتاب والذي يعد بحق ذا قيمة عالية حيث يقوم المؤلف بتحليل ومناقشة كافة المتغيرات ومجمل القوى التي أضعفت من مؤسسة الدولة وادت في بعض الحالات الى انهيار الدولة واختفائها تماما كما هي الحال في الاتحاد السوفييتي السابق ويوغسلافيا، حيث شهدت تقليص سلطة الدولة وانزوائها في الظل مع اعطاء سلطة اكبر للقطاع الخاص والمبادرة الفردية.
يتطرق كريفلد في هذا الفصل عن العوامل التي أسهمت في إضعاف مؤسسة الدولة وأهمها:
اولا: تناقص قدرة الدولة على خوض الحروب، ويقصد بهذا الحروب الكبرى مثل الحرب الكونية الثانية وتناقص احتمالات مثل هذه الحروب مستقبلا، وهيمنة مفاهيم استراتيجية من خلال تطوير اسلحة الدمار الشامل وخلق مفهوم "ميزان الرعب المتبادل".
ثانيا: الدعوة الى تقليص دور الدولة واعطاء المزيد من الصلاحيات للقطاع الخاص واعادة احياء افكار آدم سميث وديفيد ريكاردو الليبرالية المحافظة، والتي وجدت صدىً واسعا في كتابات بعض الاقتصاديين المعاصرين امثال الامريكي ملتون فريدمان، والنمساوي فردريتش فون هيك.
ثالثا: ثورة المعلومات والتي أدت الى تذويب الفوارق الجغرافية والحدود المصطنعة بين البشر، واصبح للشركات المتعددة الجنسية والتي اصبحت قوتها تفوق قوة بعض الدول.
يظل كتاب كريفلد علامة مضيئة لفهم مسيرة ومؤسسة الدولة والتطورات التي مرت بها.
 
ملاحظة وتعليق 
مع ملاحظة جديرة بالاهتمام اننا في ظل جائحة كورونا وهي تعتبر من المستجدات المهمة وفي الواقع اسهمت وتسهم في اضعاف الدولة حيث انه من الصعوبة بمكان لمؤسسة الدولة وحدها التعامل، حيث نشهد ان طبيعة التعامل تمر عبر اجهزة ومؤسسات ذات طبيعة عالمية؛ وهي تثير قضايا في غاية التعقيد والحساسية وبالتأكيد هي بحق فوق طاقة اية دولة للتعامل معها منفردة.