تاريخ اليوم الإثنين 15/08/2022

عندما يجتمع محرم مع أغسطس

06 أغسطس 2022
د. عبدالله يوسف سهر
شهر محرم الذي يحمل عبق رياح الحق المحمولة من نهضة الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء العظيم، هذا الشهر الذي يجدد نفسه عبر القرون ليبث روح الأمل للمظلومين ويلهم طالبي الحق بطاقة لا متناهية للكدح على صراط ملاقاة رب العالمين. في كل لحظة من أيام شهر محرم وفي يومه العاشر تكون هنالك وقفات تاريخية يستلهم منها الإنسان العبر والحكم. عاشوراء يمر على أيام الزمن ليتداخل مع ملاحم تواريخ البطولات ويسقيها من روافده ويغذيها بمواقف الإمام الحسين عليه السلام. ابا عبدالله الحسين سبط النبي وريحانته وسيد شباب اهل الجنة قد صنع تاريخ الابطال بموقف بز سُرات الجبال. وفي كل لحظة من لحظات ساعاته الأخيرة من معركته الخالدة كانت ولا تزال قصة مفتوحة لروايات الزمن العابر للمكان كي يستسقى منها كل ذو حق ومظلمة طاقته الايجابية ليستمر في صيرورته الانسانية. ومن تلك الصور الرائعة والخالدة التي تجسدت في معركة الطف هي التمتع بالخلق ورقي القيم والتعامل الحسن اثناء احلك الساعات واشد بأسها.
هذا السمو في الاخلاق لم يكن منقطعا عن سلالته الطاهرة المرتبطة بجده الرسول الأعظم الذي وصفه عز وجل "وانك لعلى خلق عظيم".
تجتمع اشهر القمر مع نظيرتها الشمسية كل ثلاثة وثلاثين عاماً تقريباً، وعلى هذا النحو فقد اجتاحت القوات الصدامية البعثية حدود الكويت في مساء الحادي عشر من محرم حيث كان الكويتيون آمنون. ولو رجعنا لتاريخ ما قبل الغزو لوجدنا بعض الصور المشابهة لما يجري حاليا! فالحالة الطائفية كانت مشحونة مع تصاعد دخان الحرب الايرانية العراقية وآثارها وأبواق الحزب البعثي واعوانه الذين ارادوا ايقاع الفتنة في الكويت عبر عقول المغفلين، والحالة السياسية ايضا كانت مشحونة على إثر حل مجلس الامة والمطالبة بعودته من خلال ما عُرف بدواوين الاثنين، والحالة الاقتصادية من جهة ثالثة كانت تجر ويلاتها على اثر ازمة المناخ والمديونيات الصعبة التي ادت الى ركود في الاقتصاد والتجارة. اذن، كنا نواجه ازمة ثلاثية مجتمعية وسياسية واقتصادية… يا سبحان الله حاليا نواجه مشاكل على الثلاثة اصعدة وان كانت بصور متباينة قليلاً! هل هي صدفة تاريخية، ام نتيجة لسبب؟
لا اريد ان اسبر اغوار هذا السؤال المهم جداً ولعلي اجد مكانا آخر اكثر اتساعاً لكي اجيب عليه، ولكن على عجالة استطيع ان استعير من منظور المفكر ارنولد توينبي قانون التحدي والاستجابة الذي طوره لتفسير حركة المجتمعات، باختصار يرى توينبي بأن المجتمعات او الافراد عندما يواجهون تحدياً فحتماً ستكون لهم استجابة. هذه الاستجابة هي التي تحدد مصير حركة المجتمع سلباً ام إيجاباً. فاذا كانت استجابة الفرد او المجتمع للتحدي تتمثل في جنوح نحو التمسك بماضيه فقط والعيش في اتونه من اجل تعويضه سيكلوجياً فذلك سيؤدي به المزيد من التراجع والانطوائية، اما اذا كانت الاستجابة للتحدي بروح التقبل له ومحاولة الاستفادة من التاريخ للتغلب عليه من اجل الانتقال للمستقبل فذلك هو السبيل للتطور والرخاء.
إننا في الكويت واجهنا الاحوال المشابهة قبل الثاني من اغسطس 1990 والمصادف الحادي عشر من محرم 1411، واليوم نواجه ذات المشاكل بأوجه مختلفة حيث يصادف بداية شهر اغسطس لسنة 2022 مع بداية شهر محرم. استجابتنا للتحديات الثلاث قبل 1990 كانت بالعودة الى الماضي والتقوقع به من خلال الشحن الطائفي والتعصب السياسي والمراوغة الاقتصادية التي تستفيد منها النخب. واليوم ايضاً ومع تشابه الصور يحاول البعض ان يزج بنا اتون التقوقع في جدليات الماضي والعيش فيها دون تجاوزها للابحار في اتجاه المستقبل.
الذين واجهوا الحسين بالسيف ايضا كانوا يحاولون العودة للجاهلية، فواجههم الحسين عليه السلام بالصدمة التاريخية من اجل ان يعدل مجرى التاريخ الى المستقبل والاصلاح في امة جده، ومن هنا يمكن لنا فهم قوله عليه السلام "«إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي". فكيف يستطيع نفر قليل في مقابل جيش يتراوح عدده ما بين 20 الفا الى 70 الفاً! هي الثبات على الحق، هي مصداقية التضحية بالنفس، هي الايمان بالله حقا ووعده الحق بأن العاقبة للمتقين، هي مقارعة الظالم من اجل العدل، هي الوقوف بوجه الجهل من اجل العلم، هي معاني القرآن في مقابل زُخرف الشيطان، هي النهضة الدائمة في مقابل التخلف، هي السلام والتسامح في مقابل العنف والتعصب، وهي التسامح والسمو بالذات والنفس البشرية في مقابل الانحطاط والغوغائية. هكذا صدم الحسين التاريخ وتحداه الى مستقبل حيث الهم البشر من جميع النحل والملل، انه الهام عابر للزمان والمكان وان تشابهت او تداخلت الشهور الميلادية النهارية والهجرية الليلية، فإن "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ، وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ". لنستفد من فعل الحسين عليه السلام في تحدي الصدمات والملمات بالثبات على الحق ورفض الظلم، واحقاق ميزان العدل.