تاريخ اليوم الإثنين 17/05/2021

علم الجغرافية الاقتصادية

20 أبريل 2021
الدكتورة سوسن عاطف محفوض
تتوارد إلى أذهاننا يوميا الكثير من التساؤلات، ما العوامل الرئيسة التي تلعب دورا بارزا في دفع عجلة النمو الاقتصادي في دولة ما مقابل الانخفاض النسبي في اقتصاديات دول أخرى؟ ما الذي يسهم في تنامي انتشار الفقر في العديد من مدن العالم الكبرى؟ ما الذي أدى إلى الانتشار الواسع لمدن الصفيح والأحياء العشوائية؟ كيف أثرت العولمة على المجتمعات والأفراد؟ ما أثرها على تغير مستويات المعيشة، الأجور، أنماط الاقتصاد المختلفة؟ وما هي النتائج المترتبة على التطور المتفاوت بين أرجاء الدولة الواحدة من جهة، وبين أنحاء العالم ككل من جهة ثانية، جميعها تساؤلات تأخذ حيزا من تفكيرنا ويختص بدراستها الجغرافي الاقتصادي، ومن هنا تنطلق في التعريف بالجغرافية الاقتصادية تطورها التاريخي وأهميتها . 
تعريفها: تختلف المدارس الجغرافية في تعريف الجغرافية الاقتصادية تبعا لوجهات النظر المختلفة، فالجغرافية الاقتصادية تركز على مصادر المعيشة للإنسان، كيف يسخر الإنسان موارد الأرض عبر تطبيق التكنولوجيا الحديثة في إدارة القطاعات الاقتصادية المختلفة كالزراعة والصناعة والتجارة، وكيف يطور وسائل النقل والاتصال ليعيد ترتيب الحيز المكاني بما يخدم مصالحه من خلال ربط مصادر العرض والطلب ببعضها؟ 
وبهذا تعرف الجغرافية الاقتصادية بأنها فرع من فروع الجغرافية، التي تهتم بدراسة التنظيم المكاني للأنشطة الاقتصادية وتوزيعها الجغرافي، كما تهتم بطرق توظيف الموارد البشرية والطبيعية والحضارية المتحكمة في الإنتاج والنقل والتوزيع والاستهلاك على مستوى الاقتصاد العالمي.
تطورها التاريخي: لقد أدت التغيرات التي طرأت على العالم، وعلى أحوال المجتمعات وتركيبها ومشكلاتها المتعددة عبر العصور إلى نشأة علوم تهتم بدراسة الظواهر الاقتصادية. في البداية كانت الجغرافية التجارية التي درست نمو الأسواق، وازدياد النفوذ التجاري العالمي، لا سيما بعد حركة الكشوفات الجغرافية في القرن الخامس عشر، والتي صاحبها العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ثم نشأ علم النقل والتجارة نتيجة نمو مراکز جديدة للإنتاج والاستهلاك في العالم، وهذا خلق صراعاً بين القوى العالمية للسيطرة على حركة التبادل التجاري، ومصادر الثروة والأسواق في العالم لاحقا نشأ علم الاقتصاد الذي ركز على دراسة السوق والاستهلاك وبينهما الإنتاج، وكان المفكر آدم سميث الأشهر في هذا المجال. وفي الوقت الذي عكف فيه الاقتصاديون على كيفية تحقيق الرفاهية لإشباع الحاجات المختلفة، متجاهلين التباينات الإقليمية في الإنتاج، ظهر علم جديد يهتم بهذه التباينات الجغرافية، فكانت الجغرافيا الاقتصادية التي اهتمت بدراسة العوامل الطبيعية السائدة والمميزة للبيئة الجغرافية، كما اهتمت بدراسة مصادر الثروة الطبيعية (المعادن، التربة والمياه...)، وإنتاج السلع بكافة أشكالها، ودور شبكة النقل والاتصال في الربط بين مناطق الإنتاج وأسواق الاستهلاك . 
بدأ تعبير الجغرافية الاقتصادية Economic Geography في الظهور لأول مرة عام 1882 على يد العالم الألماني جونز ليفصلها عن الجغرافية التجارية، حيث اقترح منهجا تحليليا لدراسة موارد الثروة الاقتصادية آخذا في الاعتبار مبدأ السببية، أي البحث عن الأسباب الطبيعية والبشرية والاقتصادية التي تفسر البيانات الإحصائية، ثم ظهر مبدأ التفاعل المتبادل بين المكان الطبيعي - بعناصره المختلفة. وبين الإنسان، والذي عبر عنه بوضوح الأستاذان الألمانيان لوتجنز 1921 وهاسنجر 1933.
حين ابتكر لوتجنز فكرة الإقليم الاقتصادي، والذي عرفه الأستاذ ماكرني بأنه "منطقة جغرافية تنفق فيما بينها بمرحلة التقدم الاقتصادي" وهو بهذا يقسم مراحل التقدم الاقتصادي بدءا من مرحلة الصيد والجمع والالتقاط، مرحلة استخراج المعادن، مرحلة الرعي، مرحلة الزراعة، مرحلة الصناعة، وانتهاء بمرحلة التجارة والخدمات . 
كما أوضح هاسنجر هذه الفكرة مؤيداً مصطلح الإقليم الاقتصادي بقوله: "إن مهمة الجغرافيا الاقتصادية هي دراسة العلاقة بين الاقتصاد والمكان الجغرافي، وهدفها تقسيم سطح الأرض إلى أقاليم اقتصادية، ودراسة أشكال ومميزات هذه الأقاليم، وقد تنامى الاهتمام بالجغرافيا الاقتصادية بعد الحرب العالمية الأولى لتوفير البيانات والمعلومات والخرائط الخاصة بتوزيع الموارد وفهم المشكلات الخاصة بها 
خلاصة القول: إن الجغرافية الاقتصادية أداة أساسية لتقليص الفوارق في التفاوتات بين المجتمعات العالمية، وذلك من خلال إجراء دراسة علمية لمواردها الاقتصادية واحتياجاتها الحديثة وتراثها الثقافي، فهي تركز على التوزيع الجغرافي للأنشطة الاقتصادية، وتحليل ارتباطاتها المكانية، وآفاق التنمية والاستثمار فيها، إذ لا يمكن تحقيق التنمية المتوازنة دون الفهم الكامل للعلاقات بين الإنسان والبيئة، وهذا بدوره ينعكس على أسس تقييم السياسات الحكومية، والحلول المقترحة للمشكلات المرتبطة بالثروات الاقتصادية.