تاريخ اليوم الخميس 15/04/2021

شبكات التواصل الاجتماعي والعنف

07 أبريل 2021
أ. د. عبدالرحمن الأحمد
تلعب شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة دورا خطيرا في قضية العنف؛ فهي من جهة تقوم بتأجيج هذه الظاهرة وتعميقها؛ إذ قد ترسخ الآراء والعقائد والميول التي تنميها، عندما تخوض في أدق تفاصيل الجرائم بشكل يبدو وكأنه تشويقي أو مثير. ويتم تناقله بين الأفراد ونشره بشكل متكرر ومبالغ حتى يصبح جزءا من سلوك الأفراد عندما يشاهدونه باستمرار فيوقعون العنف على غيرهم دون وجل أو تردد، وقد تقل أو تنعدم حساسية الأفراد ضد الإيذاء والضرر الناجم عن العنف، كما أنه من النتائج الخطرة المترتبة على تصوير العنف في شبكات التواصل الاجتماعي تشجيع استعمال الأسلحة النارية. إلى جانب أن خطورة مشاهد العنف التي تدفع إلى تقليد الجماهير مظاهر العنف المعروضة خاصة إذا عرفنا أن نسبة تقليد الأطفال لتلك المشاهد لا تقل عن 50 في المئة، أما الكبار فتصل نسبة التقليد بينهم إلى 20 % وتزداد في البيئات الاجتماعية المتواضعة.
ومما يزيد خطر شبكات التواصل الاجتماعي في انتشار العنف أنها أصبحت ضيفاً لدى كل فرد ولدى كل بيت، وأضحت أهم وأخطر أداة إعلامية يلتف حولها الكبار والصغار، ويقضون الساعات الطوال في متابعة ما يعرض خلالها، ومن المعلوم أن هذه المواقع تعرض العديد من المواد ومنها مظاهر العنف وبالتالي يمكن أن تروج لثقافة عنف لا متناه. والمفارقة أنها تتمتع بأكبر نسبة متابعة من قبل الصغار، ومن قبل الكبار على السواء، وغالبا ما تظهر البطل في ثوب أسطوري مستخدما العنف والتعدي على جميع من يتعامل معه، حتى وإن كان أقرب الناس إليه، أو حتى رجال الأمن المكلفين برعايته وحماية أمنه.
وهذا يزيد من الاستجابات العدوانية للأطفال والمراهقين، أيا كان الوسط الاجتماعي المنحدرين منه، ومن هنا تتوافر الفرصة لأن ينقل الأطفال والمراهقون إثارتهم وعنفهم إلى مدارسهم في اليوم التالي. ومما يزيد الطين بلة أن لدى شباب اليوم فرصة أكبر في الإحساس بعنف وسائل الإعلام أكثر من ذي قبل، لكثرة ما يعرض من مشاهد عنف أمامهم من خلال وسائل الإعلام الجديد، فضلا عن كثير من الألعاب التي يمارس من خلالها أشكال العنف المختلفة.
ويتهم خبراء التربية هذه الألعاب بأنها تجعلهم أكثر ميلاً لممارسة العنف کي تجعل المشترك فيها يعيش في عالم خيالي، وتقضي على التفاعل الاجتماعي. ويرى بعض الخبراء أن هذه الألعاب تزيد من العنف والسلوك الانعزالي لدى الأطفال والمراهقين.
ويؤثر العنف عبر وسائل الإعلام على الطفل اعتمادا على ما إذا كان هؤلاء الأطفال يرون العنف كعقاب أم ثواب، وأن الحالة الفسيولوجية والنفسية للطفل هي التي تحدد استجابته نحو العنف.
وخطورة هذه الأعمال التي تعرضها وسائل الإعلام، تتركز فيما تتركه من قيم واعتقادات لدى المشاهد، وخاصة فيمن تنقصهم الخلفية القيمية الصحيحة، إذ إنه قد يؤدي بالأطفال إلى الاعتقاد أن العنف هو وسيلة فعالة، ورئيسة، لحل المشكلات التي تعترض حياتهم.
ومن هنا فالدور السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي يتمثل في تحريك دوافع العنف في المجتمع غالبا، حيث يكون هناك إضعاف أو إزالة الحساسية تجاه العنف، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تحجر العواطف مقابل هذه الظاهرة.
وتتعدد مظاهر هذا العنف في عالم اليوم؛ ويعد العنف الديني الأعلى ضجيجا في عالم اليوم؛ إذ هناك العنف المذهبي الناتج عن الصراعات بين المذاهب المختلفة في بعض الأديان، والعنف الديني الداخلي الذي يدور بين جماعات تتفق في الانتماء لنفس الدين ولنفس المذهب أيضا، وهناك العنف الديني الموجه وهو العنف الموجه من جماعة دينية إلى جماعة دينية أخرى. كما يتخذ العنف من المنظور الديني صور التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، والغلو والتشدد في الدين؛ حيث نجد البعض يحاول التشدد في بعض المسائل على الرغم من قيام واجبات التيسير وإلزام الآخرين به حيث لم يلزمهم الله به، والتشدد في غير موضعه، وسوء الظن بالناس، فالأصل عند المتشدد العنيف هو الاتهام، والتفتيش عن العيوب، ويجعلون من الخطأ خطيئة، ومن الخطيئة كفراً وتتعاظم خطورة العنف في المسائل الدينية أنه يأتي من ورائه التطرف المذموم.