تاريخ اليوم الإثنين 17/05/2021

خواطر في «أطار»

29 ديسمبر 2020
أحمد مبارك البريكي
في الدرب من «وادان» إلى «أطار»، تتناثر الواحات الغنّاء في الفلاة، والطريق الرملية الطويلة.. تتخللها مناظر التلال المتقطعة، وسلاسل جبال ادرار الممدودة من الشرق إلى الغرب.. الشمس حانية والرمل يسير، والحجارة منثورة في كل صوب.. أنا السالِك في بيداء الموريتانيين تطوف بي الخيالات إلى قوافل الأولين ورحلات ملوك غانة وذاك الملك الذي يحمل في رواحله إلى الحج صناديق الذهب. هذه الصحراء العسجديّة تحمل في طيّها آلاف الحكايات.. اطو قرية (تينيجي) ويقول لي إبراهيم مرافقي قصتها المدهشة: «هذه قرية طمست في التراب، بعد أن تقاتل أبناؤها لسنين حتى وصل القتل بين الأخ واخيه والأب وابنه، فنى القوم ولم يتبق لهم أثر إلا هذه الحجارة المتوارية في باطن الرمال..». ويحكي إبراهيم أسطورة أخرى لصخرتين عملاقتين تتشكلان على هيية رجل وامرأة، لحبيبين في صحراء «نواذيبو».. جمع بينهما العشق، وحجّرهما ساحر غيور، وتسمى الصخرتان «عايشة» و»ابن عميرة».. عند واحات محيرث التي منها انطلق ابن تاشفين والمرابطون إلى جزيرة الأندلس.. أقف على ربوة مطلة على الوادي المتخضر.. بالنخيل وخطوط الماء.. والبيوت الصغيرة، واحة جميلة في محيط العراء. وجلسة غداء على أطراف «تيرجيت» عند جدول صغير بين الجريد، وطيور «البيغلاش» عند حائط جبلي موشوم برسم الحيوانات يقول مرشد المكان بأنها تعود إلى ستة آلاف سنة في حقبة اللوبيين البربر، لكن أكثر ما أثار استغرابي وجود رموز لكائنات لا تعيش في الصحاري كالزراف والأسود، لكن بمنطق التبدل الزمني هذا ممكن جداً. في أحد الأخاديد بُني بيت طيني غريب الشكل يقول إبراهيم إن هذا المكان هو موقع لتصوير فيلم فرنسي في عام 1980، اسمه «ڤولكسڤوغون».. تُرك البيت منذ ذلك الوقت وبقي إطلالاً يزورها العابرون. نهار بأكمله كنت فيه خارج وقت العالم بين أودية وجبال وصخر ورمال.. حتى أذنت الدورب بالوصول إلى طريق معبد قرب مدينة «أطار» التي وجدت فيها نزلاً باذخاً بمقاييس المكان، وعشاءً «باربيكوياً».. وتنفّس استجمام بعد يوم زاخر يستحق أن يروى عنه.