تاريخ اليوم الجمعة 14/05/2021

حول بؤس التخلف وتراجيديا الأعمال الأدبية والفنية في المجتمعات العربية

27 أبريل 2021
د. نزار محمود
أولاً: حول بؤس التخلف
قد لا يبدو عنوان المقال  واضحاً عند البعض حول مضمونه، لكني سأسعى لإيصال فكرة الموضوع بالطبع.
ما أريده من بؤس التخلف هو ما يسببه ذلك التخلف من انعكاسات في مظاهر البؤس في حياة الناس. وبالطبع فإن التخلف يمتد الى مجالات الحياة من روحية وثقافية وتربوية واجتماعية وسياسية واقتصادية.
 
بؤس التخلف الروحي:
قد يستغرب البعض عند سماعه مصطلح: التخلف الروحي. ما أريده في هذا المقال هو بمعنى الفهم الروحي الذي يضيق على العقل فهمه، وعلى النفس مشاعرها، وعلى الوجدان عاطفته. فالقيم والروادع الروحية التي تلغي دور العقل في فهم الحياة والطبيعة وظواهرها إنما يشكل أعلى درجات التخلف الروحي الذي لا يبقى له من فعل غير فعل السحر والشعوذة والخرافة والتغييب لميزة الانسان في تفكيره. في حين يشوه التخلف الروحي فطرة النفس البشرية في حبها للحياة التي خلقت من أجلها وفي سبيل اشباع حاجاتها. وهكذا الوجدان البشري في طهارة عواطفه الإنسانية.
 
بؤس التخلف الثقافي:
وسأقتصر على جانبين اثنين فقط من جوانب التخلف الثقافي، وهما الجانب المعرفي والجانب السلوكي. فالتخلف المعرفي، لا سيما منه الابتكاري أو التطبيقي، سيؤدي الى حالة بؤس لا محالة في عالم تتسابق الشعوب فيه الى انتاج معرفة جديدة ومبتكرات في تطبيقاتها والاستفادة منها.
في حين يتمثل التخلف السلوكي في تجاوز الإنسان على حقوق الآخرين وحرياتهم كنمط سلوك حياة وتعامل.
هذه الأشكال من التخلف الثقافي تنعكس في بؤس الحياة في فقرها المعرفي وابداعاتها، من ناحية، وفي علاقات المحبة والصداقة والحميمية الإنسانية ودرجات الثقة والتعاون والتعاضد بين مجموعة من البشر، من ناحية أخرى.
 
بؤس التخلف الاجتماعي:
عندما تكون القيم التي تحكم المواقف والسلوكيات الاجتماعية وعلاقاتها من التخلف بمكان في مضامينها الانسانية وجرأتها وصراحتها المؤدبة وعدم مسايرتها لحاجات تطور المجتمعات فإنها ستؤدي لا محالة إلى حالة من البؤس والمشاكل واللا سعادة  الإنسانية في تلك المجتمعات.
 
بؤس التخلف السياسي:
ان الأنظمة السياسية التي لا تؤمن للإنسان أمنه وعيشه وكرامته في حقوقه ومساواته وحرياته المشروعة هي أنظمة متخلفة في عجزها أو استبداديتها وتسلطها غير المشروع على رقاب الناس. وهي بالتالي أنظمة لا تولد غير البؤس بين أبناء شعوبها المقهورة والمغلوبة على أمرها.
 
بؤس التخلف الاقتصادي:
ليس هناك من مجتمع توجب عليه أن يكون بائساً اقتصادياً اذا ما توفرت فيه إرادة سياسية أمينة وكفؤة، وبنت له رؤية وأسساً اقتصادية رشيدة في التعامل مع ما متاح لها من موارد، وما يمكن لها أن تتيحه له في حسن درايتها وعلاقاتها، والأمثلة على ذلك ليست بالنادرة. ان سوء ادارة الحياة الاقتصادية بسبب ندرة الموارد المادية، أو بسبب سوء استغلالها أو تثميرها أو اللا عدالة الاقتصادية في توزيع ثرواتها أو عوائدها او استخداماتها، إنما ينتهي إلى بؤس يخيم على معاش الناس ودوافعهم للعمل.
 
ثانياً: حول تراجيديا الأعمال الأدبية والفنية
تعكس الأعمال الأدبية والفنية، في العادة، واقع مجتمعاتها التي تقوم فيها. فالأعمال التي لا تعبر عن واقع تلك المجتمعات في أحلامها وهمومها وإرهاصاتها ورؤاها هي أعمال لا تعبر عن نبض تلك المجتمعات، وتبقى في حدود وإطارات ترفيات ابداعاتها الأدبية والجمالية المجردة.
فالمتتبع لأعمالنا الأدبية في مجتمعاتنا العربية من روايات وقصص وأعمال مسرحية وشعرية ودراسات وغيرها لا يمكن أن يقفز على ما تتناوله من مضامين مفعمة بالتراجيديا المعبرة عن الكبت والحرمان واللا مساواة والقسوة في القيم والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبالتالي حال البؤس الذي تعيشه تلك المجتمعات.
وهكذا هي الحال في أعمالنا الفنية من أفلام ومسلسلات ومسرحيات وفنون تشكيلية وغيرها.
 
وختاماً لا بد لي من الملاحظات التالية:
1- ليس هناك من مجتمعات لا تجد فيها التراجيديا مكاناً في اعمالها الأدبية والفنية، وبالتالي لا تعيش حالات بؤس في جوانب حياتها، غير ان الفرق يكمن في اشكال ودرجات تلك التراجيديا.
2- إن الأعمال التراجيدية في مجتمعاتنا العربية قد تحولت ذاتها الى " تراجيديا" حيث أصبحت حاجة لنا بدلاً ان تكون وسيلة لتجاوز البؤس الذي تتحدث عنه في أعمالها.
3- ان أعمالنا التراجيدية بدأت تأخذ فعل التنفيس عن همومنا وارهاصاتنا وشكلاً من اشكال التخدير بدلاً من أن تتحول الى اداة تثوير لتجاوز حال البؤس في مجتمعاتنا.
٤- لا تزال التراجيديا عندنا، وهو تحصيل حاصل لواقعنا، تتوسل اساليب الاثارة الجنسية والعاطفية في تركيزها على عناصر تمثيلها وأبطالها في اعمالها الأدبية والفنية.