تاريخ اليوم الخميس 29/09/2022

جَوْهَرَةُ الرَّافِـدَيْنِ

21 سبتمبر 2022
عبد الإله المالك
بَكَيْتُ مِنْ أَسْـرِكِ الْمَحْـزُوْنِ فَابْـكِـيْـنِـي
بَـغْـدَادُ صَـبْرًا على طَـعْـنِ السَّكَاكِـيْـنِ
المَـاءُ فِي رَافِـدَيْكِ الْيَوْمَ مُـنْـحَـسِـرٌ
والنَّـخْـلُ مُنْـكَـسِرٌ يَجْـثُـوْ على الطِّـيْـنِ
وَالْحُـرُّ مُعْـتَـقَـلٌ فِي كُـلِّ نَاحِـيَـةٍ
وَالحَـرْفُ مُـفْـتَـقَـدٌ فِي صَمْتِ مَحْـزُوْنِ
كُلُّ الأَسَاطِـــيْرِ فِي عَيْـنَـيْـكِ غَافِـيَةٌ
كُـلُّ الْمَعَـالِـمِ فِي تِـيْـهٍ تُـمَـارِيْـنِي
عاَدَتْ خُـيُـوْلُ التَّـتَارِ الْيَوْمَ غَاشِـمَةً
مِنْ غَـيْرِ وِجْهَتِهَا فِي حُـلَّـةِ الـدِّيْـنِ
عَادَ الْقَرَامِـطَـةُ الأَوْغَـادُ ثَانِـيَـةً
مَنْ ذا يُكَـفْـكِـفُ دَمْعَ الطَّـلْحِ وَالتِّـيْـنِ
بَـغْـدَادُ بَاعَ الْمُـرَابُـوْنَ الصِّـغَارُ غَـدِيْ
بَاعُـوا مُشَافَهَـتِيْ بَاعُـوا مَضَامِـيْـنِي
يَتْـلُو على دِجْـلَـةَ السَّـيَّابُ لَوْعَـتُـهُ
وَيَرْمُـقُ الْفَـجْـرَ مِنْ بَيْنِ الْعَرَاجِـيْـنِ
هُنَا الشَّـرَائِعُ قَدْ خُـطَّـتْ على حَجَرٍ
وَحَامُرَابٍ على نَـهْـجِ الْقَـوَانِـيْـنِ
وَبَابِـلٌ يَـأْلَـفُ التَّـأْريْخُ طَـلَّـتَهَا
وَالْمَجْـدُ يَعْرِفُهَا مِنْ غَـيْرِ تَخْمِـيْـنِ
قَدْ عُـلِّـقَتْ فِي الْفَضَاءِ الرَّحْبِ أَفْـئِدَةٌ
مِثْلُ الْحَـدَائِقِ أَوْ مِثْلُ الْبَسَـاتِـيْـنِ
تَبْكِي الْحَمَائِـمُ فِي الآفَـاقِ حَسْرَتَهَا
وَالنَّـايُ يَـبْـكِي على تِلْكَ الأَفَانِـيْـنِ
كَيْـفَ الْعِـرَاقُ وَقَدْ أَمْسَى بِلا سَمَـرٍ
مَا عَـادَ فِي لَيْـلِـهِ شَدْو التَّـلاحِـيْـنِ
لا شَمْسُ فَجْـرٍ بَدَتْ حُسْنًا لِنَاظِرِهَا
وَالصُّـبْحُ مُعْـتَقَلٌ بَيْنَ المَلايِـيْـنِ
هَذِي الْمَسَاجِدُ قد أَضْـحَتْ بِلا أَثَـرٍ
وَكَيْفَ حَالُ الْـوَرَى مِنْ غَيْرِ تَأْبِـيْـنِ
وَدِجْـلَـةُ الْخَيْرِ مَا جَـفَّتْ مَنَابِـعُهَا
لَكِنَّ قَهْرَ الْعِدا مُـرُّ الْفَـنَاجِـيْـنِ
تَنْدَاحُ فِي قَـلْـعَـةِ الأَفْـلاكِ حَائِرةً
مِنْ غَيْرِ مُـعْـتَـصِمٍ أَوْ غَيْرِ مَأْمُـوْنِ
شَاهَتْ وُجُوْهُ الزَّمَانِ الْيَوْمَ مِنْ قَـلَقٍ
وَضَاعَ أَمْرُ الْحِمَى بَيْـنَ السَّلاطِـيْـنِ
يَا جَوْهَـرَ الرَّافِدَيْنِ الْـفَـذُّ آيَـتُهَا
يَا شَاعِرَ الْعُـرْبِ يَا بَـوْحَ الرَّيَاحِـيْـنِ
بَغْـدَادُ بَعْدَكَ مَا عَادَتْ مُـغَـرِّدَةً
تَهِيْمُ فِي التِّـيْهِ وَيْـلاتُ الْـمَـسَـاكِـيْـنِ
يَا سِنْدَبَادَ الْعِرَاقِ الحُـرِّ أُحْـجِـيَـةً
فُـكَّ الأَحَـاجِـيْ فَقَدْ أَعْـيَتْ عَنَاوِيْـنِـي
جُـرْحِـي أَلِـيْـمٌ بِـلا ذَنْـبٍ يُـلازِمُـنِي
دَوْمًـا وَيَسْكُنُ في مَجْرَى شَـرَايِـيْـنِـي
شَادَ الْمَسَاءُ على أَوْتَارِ مُلْهِمَتِيْ
شَطْرًا عَصِـيًّا على كُلِّ الْمَوَازِيْـنِ
وَالشِّـعْرُ يَتْلُوْ على الأَسْمَاعِ غُرْبَتَهُ
وَيَأْلَفُ الصَّمْتَ فِي كُـنْـهِ الدَّوَاوِيْـنِ
أَنَا الْغَرِيْبُ على أَبْوَابِ خَارِطَتِيْ
وَأَلْفُ مَلْحَمَةٍ خَلْفِيْ تُنَادِيْـنِي
كَيْفَ السَّبِيْلُ إِلى الأَفْيَاءِ مُبْتَهِجًا
وَالنَّاسُ تَغْتَالُ مِنْ وَجْهِيْ تَلاويْـنِي
صَدْرِيْ يَضُجُّ أَسىً مِنْ هَوْلِ مِحْنَتِهِ
وَالْجِسْمُ يَذْبُلُ بَيْنَ الْحِيْنِ وَالْحِـيْـنِ
مَالِيْ وَلِلْعَجْزِ إِنْ فَاضَتْ مَوَاجِدُنَا
وَاسْتَنْفَدَتْ سُبُلُ الْبَيْدَاءِ تَـثْمِـيْـنِي
وَنَظْرَةٌ مِنْ حِجَابِ السِّـرِّ قَدْ نَفَذَتْ
فِي مُهْجَتِيْ مِنْ رُمُوْشِ الْغِيْدِ تُغْرِيْـنِي
سَطَّرْتُهَا مِنْ خِلالِ النَّزْفِ أُغْنِيَةً
تَمْشِي الْحُرُوْفُ بِهَا مَشْيَ الْقَرَابِـيْـنِ
مَهْمَا تَطُـلْ لَيْلةُ الأَشْجَـانِ مِنْ وَجَعٍ
فَالْفَجْرُ حَتْـمًـا سيَمْـشِيْ في الْمَيَاديْـنِ
بَـغْـدَادُ يا عَـبَـقَ التَّـاريْخِ يا لُغَتِيْ
فُـضِّيْ نِقَابَكِ عَنْ حُبٍّ وَضُـمِّـيْـنِي
إِنِّـيْ أَتَيْـتُ ويَحْـدُوْنِيْ مَـدَى أَمَـلِـيْ
بُـثِّـيْ هَوَاكِ على صَدْري ونَاجِـيْـنِي
قَدْ يَنْقَضِي الْعُمْرُ في أَحْلامِنَا عَـبَـثًـا
ويُهْدِرُ الْوَقْتُ مَجْـدًا لِلْمَيَـامِـيْـنِ
كُلُّ الْقُيُوْدِ الَّتِيْ زَادَتْ مَـوَاجِعَـنَا
تَمْضِيْ وَيُكْتَبُ عُمْرٌ لِلْمَـسَاجِـيْـنِ
هُزِّيْ جُذُوْعَ الَهَوَى قَدْ ثَارَ في دَمِنَا
رَكْضُ الْخُيُوْلِ وَتَخْضِيْبُ الْعَثَانِـيْـنِ
تَنْثَالُ مِنْ رِئَتِيْ أَنْغَامُ فَاتِنَتِيْ
وَلْهَانَةً كَفَـرَاشَـاتٍ تُآخِـيْـنِي
إِذْ يَعْلَقُ النُّوْرُ فِي ثَوْبِيْ وَأَوْرِدَتِيْ
وَيَضْحَكُ اللَّيْلُ مِنْ حَوْلِيْ وَيُشْجِـيْـنِي
وَيَأْلَفُ الْجَمْرُ كَفِّيْ حِيْنَ أَبْسُطُهَا
وَيَخْنُقُ الْمَاءُ أَنْفَاسَ الدَّلافـيْـنِ
تَضِجُّ فِي سَوْرةِ الأَقْيَالِ قَافِيَتِيْ
وَتَزْرَعُ الأَمَلَ الْمَنْشُوْدَ فِي دِيْـنِي
لِتَرْتَوِيْ مِنْ زُهُوْرِ الْوَقْتِ أُمْنِيَةٌ
يَعْلُوْ مَدَاهَا تُخُوْمَ الرُّوْمِ وَالصَّـيْـنِ
تُعِيْدُ مِنْ سِيْرَةِ الْمَاضِيْنَ مَجْدَهُمُ
وَالطَّيْرُ يُطْلِقُ أَشْجَانَ الْمَحَازِيْـنِ
سَـنَابِلُ الْخَيْرِ تُهْـدِيْنَا أَجِنَّتَهَا
وَالْقَمْحُ يَنْظُرُ مِنْ فَيْضِ الطَّوَاحِـيْـنِ
بَغْـدَادُ زُفِّـيْ لأَشْعَارِيْ عَرَائِسَهَا
وَحَدِّثِيْ عَنْ زَمَانِ الْوَصْلِ وَاللِّـيْـنِ
وَاسْتَقْبِلِيْ عَاشِقًا يَرْمِيْ صَبَابَتَهُ
على الرَّصَافَةِ بَيْنَ الكَـافِ وَالنُّـوْنِ
بَغْـدَادُ قَدْ سُطِّرَتْ فِي الرُّوْحِ بَهْجَتُهَا
أَمَا رَأَيْتِ وُعُوْدَ الْحُـوْرِ وَالْعِـيْـنِ