تاريخ اليوم الإثنين 15/08/2022

بين «مطرح» و«شتوتغارت»

26 يوليو 2022
أحمد مبارك البريكي
قال لي سائق التاكسي العماني وأنا في جولة معه بأرجاء مدينة مسقط عاصمة سلطنة عُمان: "إنك لم تزر مسقط إن لم تزر سوق مطرح!".. توقفنا في السوق قرب الزوال، ودلفت داخلاً إلى دكاكينه المتصافة وسقفه التاريخي الذي يعيد الذهن إلى السوق المسقّف في مكة المكرمة نهاية التسعينيات، وسوق المباركية في الكويت قبل تجديده، رائحة البخور والتوابل والعطور العربية واللبان.. تزكم الأنوف، والأقمشة ذات اللون الهندي تتدلى على أبواب الدكاكين المملوءة بالبضائع، مشغولات فضية وأواني نحاس، ومباخر مرصعة بالمرايا، وفخار و محل لبيع الحلوى العمانية، يدعوني أحدهم لتعميمي قبعة عُمانية تسمى بالكمّة وهي طاقية مطرزة باليد بأشكال وزخارف جميلة، شكرته واقتنيت منه واحدة بلوني المفضل، في الفاصل المرصوف والمتعرج الذي يعبر بين المتاجر رأيت "مانيكاناتٍ" متلبسةً باللباس التقليدي للشعب العماني رجالاً ونساءً.. فثوب الرجال بسيط وطويل وذو عنقٍ متدلٍ أشبه بعنق الكندورة الإماراتية وتسمى الفراخة.. وبألوان سماوية وبيضاء ولاينسى بالطبع الخنجر وحزامه حول الخصر وهي عادة ممتدة كانت تنتشر عند أغلب شعوب الجزيرة العربية. وسوق مطرح يعتبر من أقدم الأسواق في منطقة الخليج العربي ويعود نشأته إلى نهايات القرن الثامن عشر، وقد اشتهرت عُمان بأنها بوابة الخليج وأهم أسواقه وكان الكويتيون القدماء في رحلاتهم المكوكية بين الهند وزنجبار يعتبرون مسقط محطةً رئيسية للتجارة في خط سيرهم الطويل.
  
****
في الطريق إلى شتوتغارت، مسقط رأس (كارل بنز) مخترع أول سيارة في العالم، والمدينة التي منها انطلقت كذلك بورش بأقصى سرعتها و قدمت للعالم معنى أناقة السيارات وجمالها مرسيديس ورفعت الستارة عن سيارة كرايسلر، عرفت عنها الكثير و قرأت، وكنت أتطلع إلى لقاء تلك البقعة الجنوبية من ألمانيا صاحبة المركز الأعلى في المعيار العام للازدهار ومهد الصناعة الألمانية وفخرها.. نعم إنها الدجاجة التي تبيض ذهباً لألمانيا.. ألمانيا ذات الشعب الذي لا يعرف إلا الاختراع والتفنن في الإبداع. وحينما احتاج هتلر آليةً خارقة تساعده في حربه الشرسة ضد الثلج ولا تتأثر بالطقس البارد.. لم يجد إلا مصانع المدينة لتكون ولادة خنفساء (ڤولكسڤاغن) عصاه السحرية التي لا تحتاج مسخناً لمحركها.. كانت الأمطار في زيارتي الإبريلية تحوّل المدينة لبركة سباحة عظيمة، لذا فضلت زيارة متحف بورش المغطى للتجول في تاريخ صناعة المحركات.. المتحف مميز جداً وذو تصميم خارجي بديع يعكس تصوراً للمستقبل، وشدني أيضاً الترتيب الزمني في أروقة المتحف وكأنني أُخذت في رحلة عبر الزمن منذ ولادة السيارة حتى الحاضر.. بتراتبية انسيابية مبهرة، في ختام اليوم الذي إقتطع مني ساعات وصلت لخمس، وصلت قبل الخروج عند عنق المصنع المتحفي حيث متجر (السوڤينير) والتذكارات.. وليكون لي من هذا المتحف الطيب نصيب.