تاريخ اليوم الإثنين 24/01/2022

بطولة أمم أفريقيا فرصة لخيارات مضمونة.. اغتنموها

11 يناير 2022
وفيق حمدان
تفاجئُني مع بدايةِ كل فترةِ انتقالات للاعبي كرة القدم من الفترتين الصيفية والشتوية، هجمةُ غالبية الأندية العربية على اللاعبين الأجانب بشكلٍ خاص دون تبصّر. فهذا الأمر لطالما أوقع أندية كثيرة في مآزق مختلفة فنياً ومادياً، كان يمكن أن تتجنَّبها فيما لو أَقلَعت عن الاكتفاء بما يُقدِّمه لها وكلاء اللاعبين من معلومات وسِيَر ذاتية، واعتمدت مبدأ التحقُّق الشخصي من وضعية ومستوى اللاعب الأجنبي قبل التعاقد معه.
ولعل كثيرين لا يعرفون أن في الأندية العالمية قسماً خاصاً بما يسمى «الكشّافين»، وهو يضمّ أشخاصاً من ذوي الخبرة والقدرة على اختيار المواهب الواعدة، أما ما نجده في أكثر الأندية العربية، فهو عبارة عن لجنة فنية تضم لاعبين سابقين من أصحاب الخبرة أيضاً، لكن مهمتهم تقتصر على استقبال ومراجعة ما يُرسله الوكلاء إلى الأندية من معلومات، بينما الصحيح والسليم هو أن يذهب هؤلاء الأشخاص إلى مصادر اللاعبين في الدول المختلفة واختيار ما تحتاجه فرقهم، لأن المثل العاميّ يقول لمن هو في حاجةٍ الى البحر :»اذا كان البحر لا يأتي اليك، إذهب اليه». وهذا بالتحديد هو ما تفعله أندية كبيرة تنشر كشّافيها داخل وخارج البلاد كي يختاروا بأنفسهم ما تحتاجه فرقهم، بل إنها، في أحيان كثيرة، تتعاقد مع صغار موهوبين، فتقوم بتطوير إمكاناتهم ثم تعرضهم في فترتي الميركاتو كمصدرٍ حيوي من مصادر تمويل هذه الأندية، وهذا ما يفعله، على سبيل المثال، أرسنال وأياكس الهولندي وبورتو البرتغالي ومرسيليا الفرنسي وغيرهم. 
أما الأسلوب الذي تعتمده أنديتنا فيكبّدها مصاريف باهظة لاستقدام اللاعبين الأجانب وإسكانهم وإطعامهم وتجربتهم، ثم يتفاجأ الكثير منها بأن «حسابات الحقل لا تُطابق حسابات البيدر»، وتجد أن المستوى الحقيقي للاعب المُستقدَم ليس كما بدا عليه في شريط الفيديو، أو أنه مصاب وغير صالح طبيّاً، أو أنه تلاعب بالمعلومات الشخصية عنه، وخصوصاً بما يتعلق بعمره، وتظل هذه الاحتمالات ممكنة حتى وإن تم التحقق من معلومات اللاعب عبر تطبيقات دولية ترصد وتعرض كامل نتاج اللاعب في كل مراحل ممارسته كرة القدم والتقارير المتوافرة عن أدائه في كل موسم.
هذه الإشكالية المستمرة مع كل فترة انتقالات هي التي تُوقِع الأندية في نزاعات مالية مع اللاعبين والوكلاء، حيث أدى العديد من هذه النزاعات إلى فرض عقوبات من الاتحاد الدولي أو الاتحادات القارية على الأندية.
وكما نلاحظ فإن منتخبات عالمية عريقة، وليس فقط أندية عالمية عريقة، تَعجُّ بلاعبين أجانب، وخصوصاً من أفريقيا وأميركا اللاتينية، حيث تعمد الدول إلى تجنيس ما تحتاجه كي يدافع عن ألوان منتخباتها التي نرى، في عدة حالات، أن لاعِبِيها المجنّسين يفوقون عدداً أبناء هذه البلدان.
لذا يقضي المنطق بأن يُرسل النادي واحداً أو أكثر من كشّافيه وخبرائه إلى الخارج ليفتشوا عن اللاعبِين المُناسِبِين من البالغين أو الصغار الموهوبين والتأكد من علوِّ مستوياتهم وسلامتهم طبياً ثم التعاقد معهم، بدل أن يخاطَر باستقدام لاعبين لا يعرف، بشكل أكيد، صحة المعلومات التي تُقدَّم اليه عنهم، فهذا أوفر مادّياّ وأضمن فنياً.
وبحسب خبرتي الشخصية، تمثل البطولات القارية والإقليمية قرص العسل أو منجم الذهب الذي يجذب جيوشاً من الكشافين والوكلاء الذين يحضرون وينشطون في هذه البطولات كبطولة أمم أفريقيا التي انطلقت الأحد الماضي في الكاميرون. 
ولكي تصل الفكرة إلى المعنيّين عبر من يستطيعون إيصالها اقترحتها مؤخراً على صديقي فيصل عبد الهادي المدير الأسبق للمنتخب السعودي الأول عقب استحواذ صندوق الاستثمارات في المملكة على نادي «نيوكاسل» الإنجليزي، وستكون موضوع دراسة جدّية لما لها من منافع مالية وفنية. وهذا، طبعاً، لا يلغي ضرورة التعاقد مع لاعبين معروفين عالمياً ولا حاجة للاستفسار عنهم لأنهم تحت أنظار العالم كل أسبوع، لكنه سيؤمن، على الأقل، القاعدة الصلبة والمقلع الثابت لتخريج النجوم وتلبية حاجات فِرَق النادي باستمرار فتصبح قادرة على «أن تجود بالموجود»، عند الضرورة.
ولأنه لا بدَّ لكل مشروع من بداية، ولأن الفرصة لا تزال مُتاحة لحضور فعاليات مباريات البطولة الأفريقية الجارية حالياً في الكاميرون، والتي ستستمر حتى السادس من الشهر المقبل، أدعو كل الفِرق المقتدرة مادياً وفنياً، وخصوصاً تلك التي لِقِيَت خيباتِ أملٍ جرّاء تعاقُدها مع لاعِبِين اكتشفت لاحقاً أنهم غير مناسبين إذ لم يشكّلوا أي إضافة لفرقهم كالاتحاد السعودي والكويت الكويتي والشرطة العراقي وغيرهم، أدعوهم إلى إيفاد مندوبين لحضور مباريات في هذه البطولة واختيار اللاعبين المناسبين، ففي هذا توفير للمال والجهد والوقت، لأن مروحة الاختيار في الكاميرون ستكون أكبر والاختيار أضمن بعد المعاينة الشخصية بدل البناء على معلومات وأشرطة فيديو لطالما كانت مناقضة للوقائع.
«اللهم إني قد بلَّغت، اللهم فاْشهد».