تاريخ اليوم الإثنين 17/05/2021

بايدن والبرنامج النووي لكوريا الشمالية

02 مايو 2021
أ. دانة علي العنزي
 أثبت تعاطي واشنطن الطويل إزاء البرنامج النووي لكوريا أنه حقا أحد المعضلات الكبرى لها العصية عن الحل. وتفاقمت هذه المعضلة بشكل أكثر حدة في ظل زعيم كوريا الشمالية الحالي كيم جونج أون الذي جعل امتلاك السلاح النووي بل والاعتراف بكوريا كدولة نووية خيارا استراتيجيا أساسيا لا مساس به. وهذا ما شدد عليه حرفيا خلال ترؤسه لمؤتمر حزب العمال الكوري الذى انعقد في يناير المنصرم بقوله إن الاعتراف بكوريا كدولة نووية هو بمثابة هدفنا الاستراتيجي الأول. 
طور كيم من منظومة ترسانته النووية والصاروخية خلال الأعوام القليلة الماضية بدرجة عالية جدا والتي شملت صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية إلى قلب الولايات المتحدة. أسلاف بايدن وتحديدا أوباما وترامب اللذين أولى أهمية خاصة لهدف تفكيك البرنامج النووي لكوريا عبر استراتيجيات وتكتيكات مختلفة لم يفلحا في هدفهم ذاك.
إدارة بايدن بالفعل في أزمة حقيقية حيال البرنامج النووي لكوريا الشمالية بناء على المعطيات السابقة. وأساس الأزمة هو تيقنها أن تخلي كوريا الشمالية عن برنامجها النووي أمر صعب المنال جدا وذلك بناء على صلابة كوريا ودعم الصين القوي لها في مواجهة عقوبات وضغوطات واشنطن السابقة.
يخطى من يتصور أن حل أزمة البرنامج النووي لكوريا أو إجبار كوريا على تفكيك ترسانتها النووية سيأتي عبر التصعيد العسكري كما تصور ترامب في سياق ما أطلق عليه نهج "حافة الهاوية". ففي ظل نظام متهور جدا كنظام كيم جونج أون ليس من المستبد أن يحرق شبه الجزيرة الكورية تماما حيال أية تهديدات أمريكية عسكرية. إدارة بايدن أيضا فيما يبدو أنها ليست من أنصار الخيارات العسكرية على الإطلاق، بل من خيارات تشكيل التحالفات والضغط التدريجي الشامل الدبلوماسي والاقتصادي.
خلال مؤتمر صحفي لبايدن في مارس، تطرق على أزمة البرنامج النووي قائلا فيما معناه أن الدبلوماسية قد تكون أفضل السبل لحل أزمة البرنامج النووي وتحديدا إقناع كوريا بالتخلي تماما عن برنامجها النووي. وعليه، يمكن أن تصور أن إدارة بايدن قد شكلت قناعة بأن الخيار الدبلوماسي والذي ينطوي على سياسة النفس الطويل طويلة الأمد عبر سبل متعددة من ضغط اقتصادي وتحفيز في ذات الوقت، تشكيل تحالف ضاغط على كوريا في آسيا للضغط على كوريا وتحفيزها في ذات الوقت أو إقناعها بالعودة إلى مفاوضات حل أزمة البرنامج النووي. 
وفيما يبدو أيضا، أن سياسة النفس الطويل قد يستبعد منها خيار إجبار كوريا السريع عن التخلي عن برنامجها النووي، بل الحيلولة على المدى المنظور دون تطوير إضافي لترسانتها النووية والصاروخية والكف عن سياسة الاستفزاز والتصعيد، أملا في تخلى طوعي من كوريا عن برنامجها النووي في المستقبل البعيد بعد تشكيل بيئة أمنية مشجعة لكوريا وتقديم حوافز اقتصادية وأمنية مرضيه لها. وإن كان تخلى كوريا تماما أو نظام "إيل سونج" عن برنامجه النووي أمر صعب جدا بالنظر لما يشكله البرنامج من عنصر قوة ضاغطة جدا لبقاء حكم العائلة في كوريا وردع أي تهديدات من أعدائها التاريخيين اليابان وكوريا الجنوبية وواشنطن.
أخيرا ضمان نجاح سياسة النفس الطويل أو ما يمكن تسميته النهج المتدرج يتطلب تعاونا وثيقا مع حليف كوريا التاريخي الصين القادرة على إجبار كوريا وإقناعها-في حدود معينة وليس بشكل مطلق- على تبنى الخيار الدبلوماسي وعلى الأقل إيقاف تطوير ترسانتها النووية والكف عن مغامراتها النووية في شبه الجزيرة الكورية. وتعاون صيني-أمريكي في الوقت الراهن بشأن كوريا يبدو سيكون من الأمور غير التوافقية في خضم اشتداد الصراع المبكر بينها في آسيا. جميع الرهانات قائمة لكن تبقى حقيقة واحدة أن نجاح واشنطن في إقناع أو إجبار كوريا على تخليها عن برنامجها النووي أمر يكاد يكون شبه ومستحيل ويحتاج ربما إلى عقود من الزمن.