تاريخ اليوم الجمعة 03/12/2021

النظام العالمي «الافتراضي» الجديد.. أين نحن منه؟

21 نوفمبر 2021
د. عبدالله يوسف سهر
النظام العالمي الافتراضي الذي تهيمن عليه السحب والأقمار الإلكترونية والمعلومات الرقمية، بدأ يفرض قواعده ومؤثراته على كل العلوم والدول والمؤسسات والجماعات وحتى الأفراد، إنه عالم المستقبل الذي كان يبدو أبعد من الخيال في السنوات الماضية، حيث بدأ يتماثل كحقائق لا مناص منها، ولابد من مواكبتها.
الكثير من الدول والمؤسسات والتخصصات العلمية بدأت تتفاعل مع هذا النظام المعقد والذكي الممتلئ بالمعلومات والمعاملات الافتراضية الحقيقية Virtual Realities، ما يهمني هنا هو كيف يتموضع علم السياسة والعلاقات الدولية ضمن هذا النظام الجديد؟
لقد اصبح ما يطلق عليه بالدولة الافتراضية شيء من الحقيقة المطروحة للبحث والتداول، فمنذ اعلان فيت جيدليكا عما سماه بالدولة الافتراضية التي تعتمد على منح العملات الرقمية بناء على فكرة عملة البيتكوين التي ابتدعها الاقتصادي الشهير ساتوشى ناكا موتو الذي اخترع، أصبح محاكاة هذه الاطروحة شيء من الواقع، خاصة بعدما منحت دولة استونيا الجنسية الافتراضية مقابل مبلغ مالي زهيد لمن يريد ان يصبح مواطناً الكترونيا منتسباً لها!.
يذهب علماء السياسية الى ان الدولة التي نعاصرها اليوم قد نشأت بعد معاهدة ويستفاليا في عام 1648 وسميت بالدولة الحديثة التي تقوم على اساس ثلاثة اركان: الارض، والسلطة، والشعب، وعلى هذه القواعد تأسس مفهوم المواطنة التي تجمع شعب محدد على اقليم جغرافي له سلطة، ومن ذلك نتج مبادئ عدم التدخل والسيادة وحق تقرير المصير، وغيرها، في الوقت الراهن ومع التطور الثوري للعالم الافتراضي والالكتروني اخذت بعض التطبيقات تتجاوز هذه المبادئ مثل السيادة والمواطنة وعدم التدخل، فالمواطنة يمكن ان تكون متعددة وافتراضية، ما يعني اختلال كبير في مبدأ آخر يتعلق "بالولاء"، كما ان مبدأ السيادة اصبح هشاً مع التطور الهائل في عالم التجارة الالكترونية والثورة المعلوماتية التي تجاوزة هيمنة قوة حكومات عليها، ومن جانب آخر، اصبح مفهوم عدم التدخل شيء من الماضي بعدما ضمر وتبخر امام سخونة التطور التكنولوجي في عالم المعلومات والاتصالات التي تغولت بها قدرة الجماعات غير الحكومية والافراد في تحدي سلطان الدولة.
الصراع بين الدول هو الآخر لم يعد معتمداً على الجيوش والقوة التقليدية اكثر منه الاعتماد على تقنيات واستراتيجيات الحروب السيبرانية التي اطلق عليها بحروب الجيل الخامس، لم تعد الدول بحاجة الى جيوش قائمة على الاعداد البشرية والمعدات القتالية الثقيلة، بل دخلت الى مضمار الصراع الجيش الروباتي الذي تفوق قوته وقدراته لفوج او كتيبة قتال تقليدية، الى جانب الطيارات المسيرة عن بعد والتحكم والسيطرة بالخصم عبر تقنيات "التجميد والتدمير والقرصنة" الالكترونية التي باستطاعتها ان تلحق خسائر فادحة بالخصم اكثر دماراً واقل تكلفة مما هو عليه الحال في المواجهات القتالية المباشرة، وتقوم هذه الحروب السيبرانية على فكرة "اكثر دماراً واقل دماءً"، وبالتالي فمن يتملك حيزاً منها هو من سيحدد سقف المساومات والردع والمفاوضات بين الدول، الاحلاف ايضاً سيكون لها نصيب من التغيير مع علو موجات النظام الافتراضي العالمي الجديد، فالتحالفات التقليدية بكافة انواعها الاستراتيجية او التكتيكية ستتغير بناء على مفاهيم توازنات القوى التي سينتجها هذا النظام المعقد.
استطيع الاستفاضة في هذا الموضوع الى حيز كبير جدا، حيث ان لكل مبدأ او مفهوم حقه في الشرح والتدقيق والتشريح، لكن ما اريد قوله هنا هو ان دولنا العربية والخليجية، وبالاخص حكومتنا يجب ان تمعن النظر جلياً في هذا النظام القادم الذي سيفرض نفسه كراهية على الدول التي تريد ان يكون لها مستقبل.
حكومتنا وخاصة المؤسسات الرسمية مثل وزارة الخارجية والدفاع والداخلية والتجارة ستكون في عين المدفع، وعليها ان تستعد لارهاصات جديدة لعالم افتراضي جديد مهيب يتطلب الكفاءة والمهنية العالية ولا محل فيها للواسطات والمحسوبيات، كما ان المؤسسات التعليمية يتعين ان تتجهز لهذا العالم لتبدأ في تحديث منهاجها وبرمجة مخرجاتها كي تتواءم مع هذا المستقبل واخيرا، فان حقل العلوم السياسية وخاصة المختصين بالعلاقات الدولية عليهم ان يدفعوا بجدية الى تحديث المحتويات العلمية والمقررات التخصصية للرقي بمخرجات تعليمية تتناسب مع هذا العالم المستقبلي.
والخلاصة هي: ان لم نواكب ونستعد سنكون جزءاً من الماضي وليس من المستقبل.