تاريخ اليوم الخميس 15/04/2021

المقهور وكرامة النفس

06 أبريل 2021
فاطمة سلمان الصقر
القهر وما أدراك ما القهر؟.. للإنسان كرامة ولا فرق في المشاعر في الأحاسيس بين البشر، الفقير قبل الغني، الصغير قبل الكبير.
يقول الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن العاص "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".
 وتذكر المصادر والنشرات عن حكاية تلك المقولة.. عن أبي عبدة، عن ثابت البنانيّ وحميد، عن أنس قال: "أتى رجل من أهل مصر إلى عمر بن الخطّاب، فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسّوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الألأمين، قال أنس: فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحبّ ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنّينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، انما ابنه الذي ضربني وقد اشتفيت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبّدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا؟ قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم، ولم يأتني.
في دراسة لكتاب العالم في النفس حجازي يقول فيه إنه في مسيرة حلزونية، يلعب كل إنسان داخل سلسلة القهر دور المتسلط على مَن هم أدنى منه، ليجد المرء نفسه فريسة لأشكال متنوعة من القهر، تبدأ من مرحلة الرضوخ والقهر التي تمتد زمنا طويلا مقارنة بباقي المراحل، وهي -كما يذكر العالم والمفكر  اللبناني مصطفى حجازي ـ  انها  بداية اصطدام المقهور بقوى القهر، إذ تكون الأخيرة في أوج سلطانها وحالة الرضوخ في أشد درجاتها، ويتبع ذلك حملات تيئيسية منظمة من قوى التسلط لجعل الجماهير ينظرون إلى أنفسهم بصورة دونية، مما يجعلهم مستسلمين على الدوام لمَن يقودهم.
وتتميز تلك المرحلة بأنها علاقة رضوخ مازوخية يتناسب فيها احتقار المقهور لنفسه وتعظيمه للمتسلط، إذ يرى فيه نوعا من الإنسان الفائق الذي له مطلق الحق في السيادة والتمتع بكل الامتيازات. يتضح ذلك جليا -على سبيل المثال- في المظاهرات المليونية بعد نكسة يونيو 1967 لمطالبة الرئيس جمال عبدالناصر بالتراجع عن قرار التنحي، والتي رأى "شريف يونس  فيها انعكاسا عفويا من الجماهير لشعورهم ووعيهم المتراكم خلال خمسة عشر عاما من حكم الضباط الأحرار ويكمل أن هذا التواطؤ الذاتي بين الإنسان المقهور وما يُمارَس عليه من قهر يخلق نمطا متذبذبا بين التبعية وبين العدوانية الفاترة، وهذه الأخيرة تُنتج ازدواجية في العلاقة بين رضوخ ظاهري للمقهور، وبين عدوانية خفية يشعر بها تجاه المتسلط، الأمر الذي يؤدي -وفق "المفكر اللبناني مصطفى حجازي"- إلى بروز عدد من العُقَد التي تسيطر على حياة هذا الإنسان المقهور، كعُقدة النقص التي تُخيفه من كل شيء، أو عُقدة العار، أو اضطراب الديمومة حين يتضخم الخوف من المستقبل وتضيع الثقة في إمكانية الخلاص.