تاريخ اليوم الخميس 24/06/2021

المؤسسات الإعلامية الألمانية بين الحرية والموضوعية وغيرها

15 مايو 2021
د. نزار محمود
إن من يعتقد أن الإعلام الغربي في الأنظمة الليبرالية الديمقراطية هو إعلام حر تماماً هو واهم ولا يعرف كثيراً عن ذلك الإعلام.
إن هذه الحقيقة لا تتعلق بالمؤسسات الإعلامية الحكومية، أي الممولة والمداراة من قبل الدولة فقط، وإنما كذلك تخص المؤسسات الخاصة أو شبه الخاصة.
صحيح أن هذه المؤسسات أكثر حرية من تلك التي تعمل في الأنظمة الديكتاتورية أو المركزية أو الأيدولوجية الشمولية إلا أنها ليست حرة تماماً كذلك، لأسباب سآتي على ذكرها.
وفي ألمانيا هناك مئات وربما آلاف المؤسسات والشركات والمواقع الإعلامية من مرئية ومقروءة ومكتوبة ورقمية، صحف ومجلات وقنوات تلفزيونية وإذاعية ووكالات أنباء، غالبيتها بالطبع باللغة الألمانية، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي. إنها غابة كبيرة وكم هائل من المعلومات. هذه المؤسسات الإعلامية تتأثر وتؤثر بالرأي العام.
فهي تتعامل مع المعطيات الواقعية المعرفية والوجدانية في استعدادات جمهورها، من ناحية، وتراعي تأثيرات الإدارة ومراكز القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من ناحية أخرى. إنها مؤسسات تريد أن تعيش وليست مشروعاً للاستشهاد من أجل الحقيقة ولن يعينها إفلاسها على البقاء على قيد الحياة.
بيد أن هذه المؤسسات ومن يقوم عليها ومن يعمل فيها ليست متشابهة تماماً ولا تقف على خط شروع واحد، وليست لها ذات المواقف تجاه الأحداث رغم ما يتطابق منها أحياناً كثيرة في الجوهر والمضمون.
والإعلام، كما هو معروف مهنة وصنعة، وفيها إبداع كبير في عرض المعلومة مضموناً وأسلوباً واخراجاً وتوقيت. وهنا تظهر براعة صانع المادة الإعلامية في محاكاتها لعقول وعواطف المستقبلين والمستهدفين.
فذات الحادثة ونفس الموضوع يتناوله المحترفون وحتى الهواة من الإعلامين بعشرات الأساليب أحياناً في الطرح والتحليل والاستنتاج، باستثناء بعض الأخبار والظروف التي لا يجد فيها أولئك الإعلاميون فسحة كبيرة للإبداع أو اللف والدوران. فعندما تكون الأوامر واضحة بتسمية الرئيس الفلاني بالديكتاتور مثلاً، تجد ألسنة وأقلام أولئك الإعلاميين قد امتلأت بهذا النعت والتوصيف.
في كتابه الشهير: النفاق الكبير، يخصص الكاتب الدكتور يورغن تودينهوفر، فصلاً لتناول عمل كثير من مؤسسات الإعلام الألمانية القائدة، معبراً عن خيبة أمله في نفاقيتها وتراجعها عن شجاعتها في نقل الحقيقة.