تاريخ اليوم الجمعة 14/05/2021

الكيان الصهيوني.. بداية النهاية لاختلال توازن القوى

26 أبريل 2021
د. عبدالله يوسف سهر
في وسط المحادثات الأميركية ـ الإيرانية في فيينا بحضور كبرى الدول الأوروبية، وخلال موجة التطبيع التي تحتفي بها وسائل الإعلام الإسرائيلية وتمثلها وكأنها اختراق وانتصار على رقعة الشرق الأوسط الجديد، وبعد التصعيد الإيراني بزيادة نسبة التخصيب لليورانيوم إلى 60 %؜ والتي تمهد الطريق للوصول الى الصناعة النووية العسكرية، يقوم الكيان الصهيوني بمجازفة، مرتكزة على عقيدة التفوق العسكري، والتي تمثلت في هجوم إلكتروني لأحد المكامن النووية الايرانية (نطنز) من اجل ان يكلل زهوة انتصاراته ويعطي انطباعاً بأن الطرف الايراني عبارة عن اسد من ورق... وبعدها بأيام تأتي ثلاث رسائل ايرانية تدريجية، الأولى بضرب إحدى الناقلات البحرية الإسرائيلية، والثانية بالهجوم على قاعدة استخباراتية في شمال العراق الكردية وينتج عنها ضحايا من العملاء الاستخباراتيين الصهاينة، وبعد ذلك تكون الثالثة ثابتة في العمق الاسرائيلي بصاروخ باليستي يحمل ثلاثمائة كيلو من المتفجرات بالقرب من مفاعل ديمونا النووي في العمق الاسرائيلي. الضربة الثالثة أوجدت حالة ارتباك في الاوساط العسكرية الصهيونية، حيث ذهبت في البداية إلى تهميش الحدث وتصويره على أنه انفجار ذاتي ناتج عن خلل فني، ثم تبرير آخر إلى أنه صاروخ أرض جو سوري "طائش" أخطأ هدفه وسقط على قرب من الموقع النووي، وبعد ذلك تظهر الاخبار بأنه خلاف ذلك على أنه صاروخ سوري أرض أرض من نوع فاتح المصنع في ايران!
تسارع الاحداث وتواليها ادخل المنطقة في معادلات جديدة من الدبلوماسية الساخنة المدفوعة بمواجهات ردعية مثيرة لترسم معالم جديدة من قواعد الاشتباك، وتثبت أن الأسد ليس ورقياً وانما له أنياب ومخالب حقيقية ستقود الى خلق نظام جديد لتوازن القوى في المنطقة.. فماذا يعني ذلك؟
لم تعد الامور كما كانت عليه في السابق من حيث الردود الكلامية والتصريحات والمناورات العسكرية، بل تجاوزت ذلك الحد إلى مواجهة فعلية لتنقل المعادلات من المسرح البارد الى المسرح الساخن. هذا الانتقال له حساباته السياسية المختلفة وفقا لاحداثيات واقعية جديدة. فوصول صاروخ واحد يستطيع ان يخترق ما تسميه اسرائيل بالقبة الحديدية، يعني أن الترسانة الصاروخية التي تمتلكها ايران في المحيط الاسرائيلي قد تكون جاهزة في اي وقت. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تبعاً لبعض المصادر الاسرائيلية وغيرها فإن المقاومة في لبنان تمتلك ما بين 110 الى 150 الف مقذوف وصاروخ متعدد المدى والاحجام يصل بعضها الى 300 كيلو، وذلك يعني ان القبة الحديدية التي تفتخر بها اسرائيل لا تستطيع التصدي لتلك الصواريخ خاصة عندما تطلق بكميات كبيرة تتعدى 100  الى 1000 صاروخ يومياً، وهو ما يعني أن المرحلة الحالية لربما قد تعدت حتى مرحلة الردع الى مرحلة الرعب، وهو بالتأكيد يقود لا محالة الى خلق هذا التوازن او حتى قلبه ضد الحسابات الاستراتيجية للكيان الصهيوني!
هذه الأحداث قد تدفع ببعض الدول العربية الى اعادة حساباتها الاستراتيجية والسياسية ايضاً. ومن قبيل ذلك ما تتحدث عنه الأخبار في اللقاء السعودي الايراني في بغداد قبل أيام. إن حدث ذلك فعلاً، وتقاربت المملكة العربية السعودية مع الجمهورية الاسلامية الإيرانية وتمت حلحلة الملفات العالقة فذلك يعني انتقالا نوعيا للمعادلات السياسية التي كانت تراهن عليها إسرائيل! وبطبيعة الحال ان تمت العودة الى الاتفاق النووي بين ايران والدول الاوروبية مع ايران وتم رفع العقوبات فتلك رسالة اخرى مزعجة جداً لنتنياهو وسياسته المتعجرفة. اما الرسالة الثالثة التي لا تقل ازعاجاً بل هي بمثابة كابوس للكيان الصهيوني تتمثل في الاتفاق الصيني الايراني الذي هو في حقيقته لا يتوقف عند حد اتفاقية اقتصادية مثل تلك التي تبرمها الصين مع الدول الاخرى بل هي اتفاقية استراتيجية غير مسبوقة لكونها تتضمن اقامة مصانع عسكرية في ايران وتبادل استخباراتي وهذه العناصر ليست اقتصادية بحتة مثلما هو معروف في الادبيات الخاصة بالاستراتيجيات الدولية، بل انها اقرب الى التحالف منه الى الاتفاق التقليدي. اما الرسالة الرابعة التي تقض مضجع الكيان الصهيوني فقد تجسدت في التقارب الروسي الايراني والذي تولدت منه المشاركة في المسرح السوري وما نتج عنه من نجاح عسكري في استعادة معظم اراضيه من الجماعات الارهابية والمعارضة له. 
كل تلك المسارات تقود إلى فرضية باتت أقرب إلى الواقع والحقيقة وهي بداية النهاية للاختلال في ميزان القوى لصالح الكيان الصهيوني وغطرسته التي دامت أكثر من سبعين عاماً عجافاً ستتبعها سنوات من السنبلات الخضر خاصة اذا استطاعت دول المنطقة ان تتجاوز خلافاتها وتنتقل الى مرحلة جديدة من التعاون وتعزيز حسن الثقة بينها.