تاريخ اليوم الخميس 24/06/2021

العرب والمستعبدون أميركياً وصهيوناً

17 مايو 2021
د. عبدالله يوسف سهر
عرضت إحدى الفضائيات فيلم ولادة أمة The Birth of a nation، والذي يحكي قصة حقيقة من قصص العبودية في الولايات المتحدة الأميركية، وكان بطلها المناضل الثائر نات تيرنر (1800-1831). ثورة نات ضد العبودية وطغيانها وظلمها، لربما انتهت الى إعدامه ورفاقه والكثير من الأبرياء؛ من المواطنين الأميركيين من أصل إفريقي والذين يصطلح عليهم بـ «السود»، الذين قتلوا من غير ذنب حيث لم يشاركوا في الثورة.
تلك الثورة فتحت الباب أمام التحرر من العبودية وأدت إلى العديد من حركات التمرد وقد انتهت بإقرار الرجل الأبيض بحرية «السود المستعبدين قسرياً»، وذلك بعد التعديل الـ 13 للدستور الأميركي والذي أقر منع العبودية في عام 1865، وكذلك بعد التعديلين الـ 14 و15 عامي 1868 و1877 على التوالي واللذين منحا حق المساواة والحق في التصويت. قام نات ورفقاؤه بقتل بعض البيض الظلمة ولكن يشاع بأنهم قتلوا أطفالاً وأناساً أبرياء اثناء ثورتهم لنيل حريتهم ورفع الظلم عنهم.
تدور شكوك حول رواية قتل نات ورفاقه أناس أبرياء، ولكنها تمثل الرأي الآخر من الرواية التاريخية! وعلى افتراض صحة تلك الإشاعة، فهل يمكن القول بأن الإدانة تسري على الطرفين، البيض الذين كانوا يستعبدون السود وكذلك نات ورفاقه لأنهم قتلوا أبرياء!
نات تيرنر اليوم خلده التاريخ بطلاً لدى السود والبيض على السواء، هذا التخليد قد أتى في ضوء الحكم الكلي على ردة الفعل التي تمثلت في ثورة نات ورفاقه ضد الظلم الأبيض الذي افترس كراماتهم وانتهك حرماتهم ودنس أعراضهم وسحق كل ما هو إنساني لديهم. لذا فلا مجال لعقد المقارنة بين الطرفين في ضوء ميزان العدل الذي تمتلئ إحدى دفتيه ظلما وقتلا وسحقا وانتهاك اعراض وتشريد واستعبادا وسخرة بينما في الكفة الثانية يكون خضوعا وتبعية وشيئا من كلمة «لا» أتت احياناً على شكل ردة فعل قاسية محمولة على غريزة الانتقام والإحساس بالظلم والغبن. وهكذا لم يكن تمرد نات تيرنر منقطعاً البتة عن تمرد «ستونو» الذي تم في مدينة شارلستون في ولاية كارولاينا الجنوبية في عام 1739 حينما تجمع عدد قليل من العبيد واقتحموا مخزن أسلحة ويرفعوا شعار «ليبرتي» وتعني الحرية، ولكنه البطش المتمثل في الميليشيا الاستيطانية والمدعومة من المستعمر البريطاني قد أجهضت ذلك التمرد. لربما نجح قاتلو نات بشنقه وتمزيق جثته واستخدام بعض أعضاء جسمه لأغراض تشحيم العربات وامور أخرى أكثر خسة، لكنهم لم يستطيعوا أن يخفوا الحقيقية وآثارها التي حررت ملايين البشر من بعده. قبل وبعد ثورة نات أكثر من 250 ثورة وتمرد قام بها الأفارقة المستعبدون قسراً في أميركا. شخصيات مثل غابرييل بروسر كأول ثائر ضد العبودية في ولاية فرجينيا والذي تم اعدامه في عام 1800، دون شك قد ألهم ثورة نات. وكذلك قد ألهمت قضية كازور جون، الذي كان بمثابة أول افريقي تم استعباده قانونيا بحكم صادر من المحكمة في عام 1654، السيدة المناضلة إليزابيث كي جرينيستيد كأول امرأة نالت حريتها بفعل القانون الإنجليزي لترسم معالم طريق تحرر جديد في عام 1662. كما أن حكاية المناضل دنمارك فيسي الذي اشترى حريته بورقة يانصيب فاز بها ومن ثم أبدى تحركا لتحرير زوجته وابنائه ولكن ذلك كلفه تهمة الدعوة الى ثورة ضد الاسياد والتي اعدم بسببها في عام 1822، قد كانت الطاقة المتوهجة التي ألهمت سيلمون نورثبوب عازف الكمان الذي اختطفت في عام 1841 ثم استعبد لمدة اثني عشر عاماً وكافح بمرارة وجلد حتى استعاد حريته أخيراً. إن كل تلك الشخصيات والحوادث هي التي ألهمت مناضلي الأفارقة الأمريكيين الذين ظهروا في القرن العشرين من أمثال مالكو مكس ومارتن لوثر وقادوا معركة التحرير الى نهايتها المعروفة الآن.. فلولا التضحيات التي قدمها أسلافهم الذين علقوا على أحبال المشانق وتم حرق جثثهم وبتر أعضاء من أجسادهم وتشريد أسرهم وتعذيبهم شر العذاب لم يصل هؤلاء الى حريتهم، هكذا هو تاريخ الحرية لابد وأن يبدأ بتضحيات عظيمة لنيل قيمة إنسانية أعظم. ومن جهة أخرى، ففي كل قصة لهؤلاء كان هنالك نفر من المثبطين والمنافقين الذين يكررون القول «إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم». ولقد خرج أثناء تلك الأحداث من كان يقول ما هي الفائدة، ويجب التسليم للأمر الواقع، والأفضل أن نهادن لأننا الأضعف، ولنكن «عقلانيين» ونرضى بما يقدم إلينا، وخلاف ذلك من شعور الرضوخ والخوف. هؤلاء بقوا حتى اليوم عبيداً ولم يتحرروا من أنفسهم، بينما من حرروا أنفسهم هم الذين تحرروا. على أي حال، في كل قصة من تلك القصص تكمن حلقة تتصل بالأخرى لتمثل جميعها سلسلة طويلة للنضال تراكم بعضها على بعض على شكل موروث إنساني يحمل مآسي الماضي لكي تكون وقود الطاقة للحاضر والمستقبل.
العرب في الجانب الآخر يعانون من هذا الاستعباد بلونه الجديد. إزاء محاولات للاستعباد الأميركي – الصهيوني، يقف الأغلب من العرب والمسلمين في خانة الضد، بينما يقف آخرون في صفوف الرضا الطوعي لذلك الاستعباد المذل. في فلسطين المحتلة ومنذ عام 1948 يتم سحق وقتل وتشريد الملايين وبشكل علني وسافر أمام أنظار العالم الذي تحاول معظم وسائل إعلامه المتصهينة تقديم صورة مزيفة عن الواقع لا يتعامل معها إلا الذين في قلوبهم مرض التعصب أو الذل. ومهما بلغ ذلك الطغيان عنفوانه، فالحتمية التاريخية تفرض حقيقة واحدة لا شك فيها وهي: «إن استمرار النضال سيؤتي ثمار الحرية». ومما هو مؤسف هو إن بعض العرب وخاصة في المحيط الخارجي لفلسطين يعتقدون بخلاف ذلك! هؤلاء الصنف من البشر الذين يريدون للحرية أن تأتي إليهم ويرونها أن تتمثل إليهم بشكلها المادي فقط ومن حيث الفلوس والدراهم والدنانير والقناطير المقنطرة حاسبين إنها هي التي تجعلهم أسيادا! هؤلاء ليسوا أحرارا بالفعل بل هم عبيد حقيقيون للمال والمادة وكما قيل عنهم بالأثر إن «عبد الشهوة أذل من عبد الرق.»
إن ما يجري حالياً على أرض فلسطين هو عمل متصل بثورة الشيخ فرحان السعدي في عام 1936 التي اطلقت الثورة الفلسطينية الكبرى ضد المستعمر البريطاني، وتولد عنها حركات الكفاح الفلسطيني فيما بعد. كما أن ما يتم حالياً على أرض الواقع لا يمكن أن ينقطع عن ذاكرة أول مذبحة ارتكبت بلدة الشيخ في 31 ديسمبر 1947 على أيدي عصابات الهاغاناه التي أودت بحوالي 600 شهيد من المدنيين العزل. وعليه، فالنضال سيستمر والحرية ستصل في يوم من الأيام لا محال دون ذلك ولو كره عبيد المال والمستعبدون تطوعاً للصهاينة... هذه هي سنة التاريخ ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنته تحويلاً، عندها سيذكر التاريخ المآثر الجزية السخية لهؤلاء الرجال والنساء والأطفال والشيوخ الذين ذهبوا ضحية تلك المجازر... ولربما سيتم ترجمة بعض من تلك القصص الرائعة بفيلم سينمائي عنوانه «استعادة كرامة أمة».

2

17 مايو 2021
د. ناديه هادي

مقاله رائعه وقلم شريف...يعطيكم العافية

18 مايو 2021
د. ناديه هادي

مقاله رائعه وقلم شريف...يعطيكم العافية