تاريخ اليوم الإثنين 17/01/2022

الدين.. الوطن.. تكامل لا تقاطع

10 يناير 2022
الشيخة حصة الحمود السالم الحمود الصباح
يخطئ من يظن أن الانتماء للوطن يتقاطع مع الانتماء للدين كما يروج ويقاتل من أجل ذلك هؤلاء المؤدلجون بالأفكار المتطرفة من تيارات ما يعرف بالإسلام السياسي، فالانتهاء للوطن هو شأن دنيوي بحت وغريزة ومفهوم إنساني واسع يشمل كل الأديان والمذاهب والطوائف والاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في بوتقة واحدة، فالمجتمعات القوية المتقدمة إنسانياً ومعرفياً وعلمياً هي التي ينصهر فيها الناس على اختلافاتهم بشكل يسمح بالازدهار والزخم المعرفي والخبرات التراكمية، حيث تتكامل فيهم وبهم الأفكار المتنوعة المقبلة وبشكل إيجابي حتما بما يخدم المجتمع بأكمله، وينتج لنا الإبداع والثراء والقوة في كل شيء، فطبيعة المجتمعات البشرية هي التعددية والاختلاف، وإذا انشغلت الأكثرية بإقصاء الأقليات حينها يبدأ الانهيار والخوف من الأفعال وردود الأفعال غير الأخلاقية وهو ما يضر الجميع عكس ما تتوهمه الأكثرية المتسلطة. 
أما الدين فهو المنهج الأخلاقي الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق وهو مسؤولية فردية عند البلوغ، ولم يكن الدين وما ينبغي له ذلك أن يكون قامعاً للحريات والمسؤوليات الفردية، وهذا ما أقره رب العالمين للناس أجمعين، فالحرية والأمن لجميع الناس منصوص عليها من رب الناس وخالقهم، وليست منحة أو هبة لأي مدع، فالناس سيحاسبون فرادى يوم القيامة وليس جماعات، ومن يزعم أن الانتماء للوطن يتعارض ويتقاطع مع الدين، فهو لا يعلم شيئا ويجب عليه أن يتوب إلى الله، لأن رسول الله ضرب لنا المثل الأعلى في حب الوطن حينما خاطب أم القرى قائلاً: «والله إنك لأحب بلاد الله إلي وأحب أرض الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»، يقول ذلك عن وطنه وهي محكومة بقبضة رموز الشرك وعبادة الأوثان، فحب الوطن غريزة تبدأ من الانتماء للأسرة والمنزل، ثم للمنطقة والجيران، ثم للمدينة ثم للوطن بأكمله، ودائماً نشعر بالحنين وبشكل لا إرادي ودائم حينما نكون خارج الوطن ونشعر بفرحة كالأطفال حينما نعود إلى الوطن كالطفل الذي يرى أمه بعد غياب.
لذلك أقول وأكرر دائماً أنه إذا أردنا الحفاظ على السلم الأهلي والأمن في مجتمعاتنا الخليجية والعربية وهوية كل منا والتي تعبر عن خصوصيته، علينا أن نجنب هؤلاء الذين يصدعون رؤوسنا بخرافاتهم وأكاذيبهم وواقعهم المنفصل بإصرارهم على خلق فتنة ووهم وبدعة بترتيب مسألة الانتماءات، وهي ليست بفكر أقرب إلى الخيال ولكنه الخيال بذاته وأكبر مغالطة منطقية ممكن أن يقع فيها شبابنا المسكين، والذين يتم دائما الزج بهم في منطقة العاطفة الدينية مع تعمد تغييب وعيه عن الحقيقة بأكملها، فليس من حق أحد أن يحاسب الناس على انتماءاتهم وميولهم وغرائزهم طالما لا يضر الأخوين.
علينا جميعاً شبابنا الرائع أن نتنبه هذا الأسلوب الخادع والذي يقضي على مفهوم الوطن والدين في وعينا، وأن نقرأ ونبحث ولا نتعجل نتائج أبحاثنا، ولا نتسرع أو نتورط في الحكم على الآخرين أفراداً وجماعات وشعوباً، فالوطن والدين يتكاملان ولا يتخاصمان.
نسأل الله تعالى الأمن والأمان، وأن يرزقنا الوعي السليم والبصيرة، وأن يجنبنا كل الفتن ما ظهر منها وما بطن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أقرء أيضا