تاريخ اليوم الإثنين 20/09/2021

الدعوات إلى الحوار: هل هي رغبات صادقة أم مناورات أو تكتيكات؟

14 سبتمبر 2021
د. نزار محمود
منذ أن انتصرت الرأسمالية وهاج الشارع وماج بالدعوات الى الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية، جاءت «موضة» الحوار والاعتراف بالآخر واحترام رأيه وكأنها اكتشاف أو اختراع جديد، لا بل وكأنها عصا موسى السحرية، وتعويذات السيد المسيح مخلص ومنقذ البشرية.
نعم، ليس للإنسان وهو يعيش مع غيره من بني البشر المتعاشقة والمتداخلة مصالحهم والمتباينة آراؤهم وأهواؤهم من بديل عن التحاور والتشاور، وتقبل بعضهم البعض بتلك الخصوصيات التي لو أحسن استخدامها وتوظيفها لعادت بالفائدة والخير على الجميع، وعلى الأقل جنبتهم الصراعات والحروب والكوارث.
بين الفينة والفينة يتبنى شخص أو مجموعة من الناشطين، فضلًا عن سيول الكتابة والتصريحات على مدار الساعة، الدعوة إلى الحوار في حل المشكلات وتجاوز الخلافات، لا بل والتعاون على بناء علاقات ورؤى وعمل جماعي مشترك، ما أجمل تلك الدعوة، خصوصاً عندما تصوغها كلمات منمقة بأسلوب منطقي وبصوت حنون أخاذ.
لكن البعض الكثير من تلك الدعوات، للأسف، يتبين أنها لم تكن سوى مناورات أو تكتيكات «حوارية» الهدف منها تمرير أفكار معلبة ومواقف محددة وبالتالي مرام سياسية مبطنة!
وهنا لا بد من أن نتوقف للحديث عن معنى الحوار واشتراطاته الموضوعية والشخصية، فالحوار هو، وببساطة شديدة، نقاش بناء بين طرفين أو أكثر لبحث موضوع أو فكرة محددة تتفق عليها أطراف النقاش، وهم مستعدون ذهنياً ونفسياً لتقبل ما يتمخض عنه ذلك النقاش من استنتاجات منطقية، دون تزمت وإصرار على التمسك بالأفكار والمواقف التي انطلق منها كل طرف في بداية الحوار.
يتبين من التعريف السابق أن للحوار في صورته المثالية هذه اشتراطات ومستلزمات واستعدادات وآداب موضوعية وشخصية. موضوعية في محور أو محاور الحوار في تحديدها ووضوحها لأطراف الحوار، من ناحية، وشخصية في أطراف الحوار من استعدادات لسماع آراء الآخرين والتعامل معها بإيجابية فاعلة، وليس بعصبية قبلية أو تمسك أناني برأي ما، من ناحية ثانية.
وهكذا فإننا في سعينا إلى حوار جاد ومثمر لا بد لنا من استحضار تلك الاشتراطات دون خداع أنفسنا وبعضنا البعض في مناورات وتكتيكات سرعان ما ينكشف أمرها وتضيع جهودها ونخسر الزمن بسببها.