تاريخ اليوم الخميس 24/06/2021

الخوف الصهيوني سينتهي بالهزيمة والرحيل

11 مايو 2021
د. عبدالله يوسف سهر
في مقال لها بتاريخ 1 يناير 2021 في صحيفة هارتس الصهيونية، كتبت أستاذة الاجتماع إفا ألوز Eva Illouz مقالاً مهماً عنوانه "الهيلكوست، العسكرة، ونصيحة ميكافيلي: كيف تغلب الخوف على اسرائيل"، وقد نشرت مقتطفات من هذه المقالة العلمية الطويلة والمهمة صحيفة القدس العربي بذات تاريخ النشر في الصحفية الصهيونية. في هذه المقالة أو بالأحرى التقرير، أوضحت الدكتورة ألوز كيف تحولت أسطورة التخويف الذي استخدمتها الصهيونية من وسيلة للتعبئة السياسية لليهود من اجل دعم قيام دولة لهم إلى مادة مثبطة نفسياً. الكيان الصهيوني الذي وظف ما يصطلح عليه  بـ "الهولوكوست" أو الإبادة النازية لليهود من أجل بناء دولة خاصة لليهود، ومن ثم ضرورة عسكرة هذه الدولة من أجل صيانة أمنها من الأعداء المتربصين بها، كان له أثر في تشجيع هجرة المستوطنين من شتى بقاع العالم ودعمهم لقيام هذا الكيان من جهة وتبرير زيادة الميزانيات الأمنية وتعزيز مفهوم الخدمة العسكرية وإقامة الملاجئ والتحصينات والاحترازات من جهة أخرى، ناهيك عن نشر فكرة استهداف السامية من قبل أي طرف يتخذ موقفاً سياسياً أو فكرياً من سياسات هذا الكيان. ثقافة الخوف التي وظفتها الدوائر الاعلامية والسياسية الصهيونية قد تحولت الى عقدة نفسية تبرر أي سلوك معاد ضد الآخرين الذين يتم تصنيفهم جمعيهم في خانة الاعداء. كوقائع تدل على تلك العقدة، تذكر الكاتبة أن مناحين بيغن رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق عندما سأل عن أسباب غزوه للبنان عام 1982، قال انه لا يريد ان يشهد اليهود احدى مذابحهم التي حصلت إبان النازية. وكذا كان قد استخدم سلفه موشى ديان ذات الخطاب السياسي في الخمسينيات لشحذ همم الصهاينة حينما أكد عليهم ألا يتركوا مجالا لعودة المذابح التي تعرض لها اليهود وعليهم ان يستعدوا للعسكرة وبناء الملاجئ والأسوار وكل ما يكفل أمنهم من شرور الفدائيين الفلسطينيين الذين هم يتشابهون مع الجنود النازيين!
من الملاحظات المهمة التي دونتها إيفا ألوز هو ان الكيان الصهيوني لم يمر بالخط الطبيعي لمسار الدول التي تبتدأ بالنضال العسكري للتخلص من العدو ثم التحول الى دولة مدنية، بل ان هذا الكيان استمر على عسكرته بصورة متنامية وبشكل مستدام. 
ان هذا الاستمرار بعسكرة الكيان الصهيوني يقود الى صحة الفرضية بأن وسيلة التخويف الميكافيلية التي كان الغرض منها تبرير الاحتلال وتشجيع الهجرة إلى فلسطين ودعم فكرة قيام الدولة ومشروعية سحق الآخر قتلاً وتشريداً، لم تنتهِ او تقل بمجرد انتفاء الغرض منها بل تحولت الى عقدة نفسية اثرت في الادراك العميق لتتحول الى سلوك عدائي يمكن ان يقوم بأي شيء ضد الآخر ويعتبره صحيحاً حتى لو كان غير قانوني او انساني، مثل هدم البيوت وتشريد السكان وسلب ممتلكاتهم والاعتداء على حرياتهم الدينية والغزو للدول الاخرى وتوجيه الضربات العسكرية والاغتيالات للمدنيين والعلماء بحجة الإجراءات الوقائية، في حين ان اي ردة فعل ازاء ذلك يعتبر عملاً عدائياً ضد السامية في المنظور الصهيوني!!
لقد طور نتنياهو  عقدة الخوف الى استراتيجية حتى بلغ فيها تخوين اسلافه الذين ابرموا صفقات "سلام" مع السلطة الفلسطينية. نتنياهو الذي اطلقت عليه صحيفة Jerusalem Post لقب "محترف سياسة الخوف" ذهب الى توظيف هذه الاستراتيجية لزيادة حصة شعبيته بالانتخاب وفي نفس الوقت لتبرير سياسته الخارجية المتحالفة مع دولاند ترامب على الرغم من عدم اخلاقية هذا الاخير. ونتنياهو من خلال هذه الاستراتيجية ذهب الى تعظيم المخاوف من إبرام اي اتفاق أوروبي أميركي بشأن الملف النووي الايراني. ومن الإشكاليات التي يعاني منها الكيان الصهيوني جراء هذه العقدة هو ليس التحول في ميزان القوى الإقليمي لصالح محور المقاومة بل ايضا التزايد الديمغرافي الفلسطيني الذي سيتحول قريباً الى تفوق سكاني خاصة في ظل تراجع الهجرات وبروز الهجرات المعاكسة من الكيان الصهيوني للخارج! 
 وفي مرحلة متطورة تحول الخوف من وسيلة الى استراتيجية ثم الى ثقافة حيث ان اكثر من 50 %؜ من المجتمع الصهيوني خائفون حسب صحيفة هارتس. وبذلك فلقد افتقد هذا الكيان اهم المقومات السياسية لبناء الدولة والمجتمع وهو الثقة بالمكان والزمان. مكانياً اصبح كل من لا يوافق وليس من يعادي فحسب سياسة هذا الكيان غير الاخلاقية هو آخر عدو. فحتى النقاد اليهود سواء في الكيان الصهيوني او خارجه في دول اخرى كالولايات المتحدة او اوروبا اصبحوا اعداء، وعليك ان تتصور الاخرين المحيطين بهم من فلسطينيين وعرب ومسلمين يشاهدون هذه العربدة الصهيونية على أراضيهم وفي مقدساتهم! وسيكون هنالك فقدان للثقة بالمكان الذي اغتصب. وزمانياً، أصبحت استراتيجية الكيان الصهيوني تستقرئ المستقبل وفقا لسيناريوهات الخوف! فالخوف من التفوق العددي السكاني الفلسطيني يقودهم الى مثل هذا الاعتداء المشهود حالياً اثناء تأدية الشعائر الدينية في المسجد الأقصى، وعقدة الخوف هي التي قادت القوات الاسرائيلية لقتل 42 مدنيا منهم الكثير من الاطفال في مدرسة تابعة للأمم المتحدة تحولت لموقع للاجئين بحجة أنهم ارهابيون لتتضح الحقيقية بخلاف ذلك، والخوف من الملف النووي الايراني لكونه سينتج قنابل نووية تبرر حتمية الاعتداءات والاغتيالات ومحاولة توريط الدول الخليجية وايران  بمواجهات مكلفة ومستمرة، والخوف من الانتقام السوري، في ضوء تحالفات القوى مع نظامه السياسي، تبرر دعم الارهابيين وحمايتهم والضربات الاستباقية في العمق السوري. لا شك في ان ثقافة الخوف هذه ستقود الى عدم الثقة بالنفس وهي من الظواهر التي انتهت اليها ألوز في تقريرها. ان ما أسمته صحيفة هارتيز "بعصر الخوف"، سيقود حتماً الى نهاية هذا الكيان الغاصب. لربما تكون سياسة التخويف اداة نافعة لبعض السياسيين من اجل بسط هيمنة سيكولوجية على الشعوب، ولكنها دون شك اداة مشاعة استخدمتها النظم الدكتاتورية، وتاريخياً لم يدم اي كيان سياسي وقد ترعرعت فيه هذه الثقافة خاصة في ضوء المستجدات السياسية الراهنة في الشرق الاوسط والتي لها اثر بالغ على ميزان القوى الجديد. استراتيجية الخوف ستنعكس سلباً على الكيان الصهيوني خلال الفترة القادمة من حيث اختلاف طبيعة المواجهة مع الشعوب وليس الحكومات ومن حيث الاختلالات الحاصلة في ميزان القوى لغير صالحه، انه الخوف الذي سينتهي الى كابوس الرحيل الى مسقط الرأس بعد حلم الاستيطان في "أرض الميعاد".