تاريخ اليوم الجمعة 30/09/2022

أشكال الحركات السياسية في الكويت «2-3»

17 سبتمبر 2022
د. دانة علي العنزي
نشأت أولى تنظيمات المجتمع المدني مع نشأة أولى النخب الخليجية التي تلقت تعليماً عصرياً حديثاً، وأصبحت نواة لتكوينات اجتماعية - اقتصادية جديدة، مثل الطبقة الوسطى والطبقة العاملة، ومع تبلور هذه التكوينات الاجتماعية - الاقتصادية الجديدة تبلورت منظمات المجتمع المدني في الخليج العربي.
ويرى بعض الباحثين أن مصطلح الجمعيات الأهلية، هو الأكثر ملاءمة في دول مجلس التعاون الخليجي من مصطلح المجتمع المدني المرتبط بالمجتمعات الغربية.
وخلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي، ظهرت العديد من التجمعات الصغيرة معبرة عن آراء الأنتليجيسا الكويتية الصاعدة، إلا أنه تم حظر هذه الجمعيات ومعها كل الأندية الرياضية، نتيجة لانتقادها العلني للحكومة الكويتية في وقت بلغت فيه النزعة القومية العربية ذروتها في عام 1959.
وفي سياق التجربة البرلمانية الناشئة منذ عام 1963 اكتسبت الجمعيات والروابط الأهلية في الكويت مزيدا من الشرعية والتأثير وأضافت المجادلات داخل البرلمان نكهة خاصة على الثقافة السياسية الكويتية، تلك الثقافة التي تميزت بطابع الانفتاح والنزوح إلى الإعراب عن المعارضة في العلن، وقد أسهمت هذه الانفتاحية المتنامية في ظهور صحافة كويتية مستقلة تملكها عائلات كويتية معروفة.
وكانت الجمعيات الأهلية، تعلن أن أهدافها ذات صبغة أدبية ثقافية أو رياضية أو فنية أو خيرية، أو تنموية، ولكن بمجرد التقاء عدد من النشطاء أو المهتمين والمهمومين بهذا النشاط أو ذاك، فإنهم عادة ما يوسعون دائرة نشاطهم إلى مجالات مجتمعية عامة أخرى، وخاصة المجالات السياسية والوطنية والقومية مما كان يعرضها للحل أو يعرض أعضائها للملاحقة.
وهناك العديد من العوامل المؤثرة في تكوين وظهور الجمعيات الأهلية في الكويت يذكر منها التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها الكويت في فترة ما بعد اكتشاف النفط والناتجة عن تبني الكويت لخطة تنموية طموحة حولت بنية البلاد وطرق الحياة فيها، في أعقاب تصدير النفط واتساع نطاق التعليم بين السكان، وهو مما يذكر للأنظمة السياسية العربية ولا سيما الكويتية؛ فمن إنجازاتها التي لا تنكر نشر التعليم المجاني المكثف، ما أدى إلى رفع مستويات الوعي والتوقعات والمهارات التنظيمية، وكانت لهذه السات أهمية كبرى في بناء المؤسسات العامة والخاصة.
وفي ستينيات القرن العشرين ومع تخرج المزيد من الطلاب في الكليات الجامعية خارج الكويت، بدأت تتشكل طبقة وسطى مهنية مدنية، حيث بلغ عدد الطلاب والطالبات المبعوثين إلى خارج الكويت عام 1965 – 1966، من أجل نيل الشهادات الجامعية وشهادات التعليم العالي إلى 1231 طالب وكانت الكويت تنتظر في العام نفسه تخرج 174 طالبا مبعوثا خارج الكويت، كما أتاح التعليم للأفراد المنتمين لخلفيات اجتماعية أقل تميزا إمكانية القيام بأدوار مهنية داخل المجتمع.
ونتيجة لغياب الأحزاب السياسية في الكويت، فقد كانت الجمعيات الأهلية تقوم بوظائف الأحزاب السياسية في مناقشة القضايا العامة، مثل صياغة بدائل السياسة العامة وممارسة الضغوط على مراكز صنع القرار، وقد قامت بهذه المهام مثلا جمعية خريجي الجامعات بالكويت. 
هذا وقد تعزز دور الجمعيات الأهلية في الكويت عندما تم حل البرلمان عام 1976، ثم عام 1986، وذلك لتعويض الخسارة السياسية التي حلت بغياب هذا البرلمان. 
وقد بلغ عدد هذه الجمعيات الأهلية حتى بداية التسعينيات 55 جمعية ورابطة أهلية تضم في عضويتها 40 ألف عضوا، أي بحدود 5. 8 % من سكان الكويت.
ومن أبرز ما تنفرد به الكويت فيما يتعلق بهذه المؤسسات، أنها متنوعة ومتشعبة ومتزايدة في واحد، وتصنف هذه المؤسسات إلى: الجمعيات المهنية وتضم 17 جمعية لمختلف المهن والجمعيات الثقافية الاجتماعية وتضم 39 جمعية تشمل العديد من الجمعيات النسائية وهي مؤسسات تمتد مساعدتها وخدماتها إلى عدد من البلدان العربية. 
وقد لعبت هذه الجمعيات دورا فاعلا خلال الأزمات التي تعرضت لها البلاد، ففي عام 1990 وعندما تعرضت الكويت للغزو العراقي، كادت الدولة الكويتية أن تختفي، وكانت التنظيمات الأهلية نشطة وقدمت المدد والتأييد المعنوي لبقاء العديد من المواطنين الكويتيين في الداخل والخارج.
أي أن هذه الجمعيات الأهلية تحولت إلى نقاط ارتكاز لأداء العديد من المهام التي كانت تقوم بها الدولة فيها سبق، توزيع حصص الطعام والرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم وإدارة شبكة اتصالات غير رسمية، أما الجمعيات الأخرى التي لم تتمكن من العمل في العلن خوفا من بطش سلطات الاحتلال، فقد استعانت بالجمعيات التعاونية والمساجد البعيدة إلى حد ما عن الشبهات في تقديم العون.
ويمكن القول إن مثل تلك الجمعيات لعبت الدور الأكبر في زيادة الروح التطوعية لدى الشباب والعائلات الكويتية وزاد مابينهم روح المشاركة السياسية، وهو ما كان دافعا كبيرا لزيادة الأثر الإيجابي للديمقراطية على الأمن القومي الكويتي من خلال خلق روح المشاركة والتعاون لدى أبناء الشعب مما جعلهم أكثر تأهيلا لتقبل الآليات.