تاريخ اليوم الإثنين 20/09/2021

آكلها أنا حتى لا تأكلها أنت

14 سبتمبر 2021
زيد عقاب الخطيب
من درر الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي يذكر ويقول عن أحد الإخوة كتب ما يلي: في طفولتي عندما كان يدخل موسم فاكهة المانجا، كان أبي يحضر منها كمية للبيت، وكنا نجلس حوله لنشاركه طعمها العذب، كنا نحب هذه الفاكهة كثيراً، فكان يعطينا اللبّ منها، ويقوم هو بأكل قشورها!!
كنت أراقب هذا التصرف الغريب منه دون أن أعلم السبب؟!
سألته يوماً: لماذا تأكل قشور المانجا يا أبي؟!
نظر إلي بابتسامة وقال: «أكلها أنا حتى لا تأكلها أنت».
لم أفهم معنى كلامه في وقتها، وبرّرت الأمر بأنها قد تكون عادة قديمة اكتسبها من أيامه التي عاشها في طفولته بين أحضان الفقر القاسي، وخصوصاً أن طعم قشور المانجا ليس سيئاً، ولكنه بصراحة لا يقارن بما هو تحت تلك القشور. 
المهم: مع الأيام نسيت أمر قشور المانجا، كما نسيت الكثير من الذكريات بين صفحات كتاب الزمن، إلى مدة قريبة عندما أهداني صديق لي فاكهة مانجا، جلبها لي كهدية من بلد بعيدة..
كنت أمنّي نفسي بالاستمتاع بطعمها الذي ينافس شهد النحل طوال الطريق وأنا متجه الى بيتي، وبمجرد أن وصلت البيت بدأت في تقطيع تلك المانجا وهي تتفجر بين يدي بما تحتويه من لبّ ذهبي، وعصير ملكي!!
الحقيقة أني أحب تلك الفاكهة كثيراً!!
وقبل أن أضع أول قطعة منها في فمي، اقتربت ابنتي الصغيرة مني وقالت: أبي، أريد قطعة؟
ابتسمت من طلبها وأعطيتها الجزء الذي كان بيدي، وعلى الفور اقترب ابني يطلب مثل ما حصلت عليه أخته، ولحقتهما أختهما الثالثة تطلب حصتها تماماً كما حصَّل إخوانها.
كانت فرحتي بالنظر لهم وهم يمرغون وجوههم بقطع المانجا، والسعادة والفرح تشع من أعينهم كشمس الصباح الدافئة بعد ليلة شتاء قارص!
وفي لحظة وجدت نفسي أمام صحن خال إلا من بعض قشور المانجا التي مازال عالقاً بها أجزاء صغيرة من فتات الفاكهة الأصلية..
بدأت بالتهام قشور المانجا دون تفكير إلى أن توقفت فجأة لأتذكر كلمات أبي رحمه الله!!
الآن فقط بعد كل تلك الأيام والسنوات اتضحت لي معنى كلماته وماذا كان يقصد بعبارته، وغصّت اللقمة في فمي وهطلت الدموع من عينيّ.
الآن فقط علمت أن سعادة أبي الحقيقية لم تكن يوماً في أكل قشور المانجا، وإنما كانت سعادته الحقيقية في رؤيتنا ونحن ناكل أفضل جزء منها أمامه.
كانت فرحته الغامرة وهو يشاهدنا ونحن نحصل على أفضل وأنقى وأجود ما كان يقدمه إلينا في لحظتها 
وتساءلت حينها والدموع في عيني:
يا هل ترى، كم من مانجا قدمها لنا أبي واكتفى هو بمجرد قشورها؟!
وأنا هنا لا أقصد تلك الفاكهة بذاتها، ولكن أقصد كل ما ترمز له في هذه الحياة!!
فالمانجا قد تكون ملبساً، أو بيتاً، أو فراشاً، أو نوماً مريحاً، أو تعليماً، وقد تكون أيضاً لمسة حنان على الكتف، أو قبلة على الوجه، أو مسح دمعة من على الخد!!
«والله، مانجا الأهل لا حدود لها، ولا يمكن لأحد أن يقيِّم سعرها».
- أنظر إلى من حولي لأجد أبناء لا يقدرون أهلهم حق القدر، ولا يوفون حقهم، وكأن وظيفة الأهل في هذه الحياة هي في اختلاق الذرائع التي من شأنها أن تكدر صفو حياتهم.
- أرى أبناء قد تملكهم الغرور حتى حسبوا أنهم يفوقون أهلهم علماً وفكراً ومنطقاً.
- أرى أبناء يقدسون كلمة الزوجة في مقابل دموع الأم أو الأب. 
- أرى أبناء يهجرون أهلهم في ديار رعاية بعيدة ويتركونهم لرحمة الغرباء.
- أرى أبناء قد يقاطعون أهلهم سنين طويلة.
- أرى أبناء يتمنون زوال أهلهم من هذه الدنيا عاجلاً ليس آجلا من أجل أن يرثونهم.
- أرى كل ذلك وفي نفسي لو كان الأمر بيدي، لدفعت عمري كله ثمناً حتى يعود بي الزمن لأجلس مع أبي يوماً واحداً أسبقه حينما يحضر فاكهة المانجا، لألتهم قشورها بدلاً عنه ليتبقى له فقط أفضل ما فيها.
حتى إذا سألني لماذا أحب أكل قشور المانجا؟
فأقول له:
«أكلها أنا حتى لا تأكلها أنت».
إهداء إلى كل من مازال أبوه على قيد الحياة، عسى أن تجد إلى قلبه دليلاً. اللهم اغفر وارحم آبائنا وأمهاتنا واجعلهم من أهل الفردوس الأعلى برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ألبس لباس الصحة والعافية كل من هم 
على قيد الحياة من الآباء والأمهات، واعف عنهم ولا تقبضهم إلا وأنت راض عنهم يا سميع يا عليم.