الوطن بين القدسية والصنمية
د. نزار محمود
كم ذرفت من دموع فيك با «وطن»، وكم سالت دماء من أجلك يا «وطن»، وكم من فرح قام فيك يا «وطن»، وكم من جائع أطعمته يا «وطن»، وكم من مستجير حميته يا «وطن»، وكم من مواطن هجرك ألماً يا «وطن» وكم من إنسان خذلته أيها «الوطن»، وكم، وكم...
أنت يا «وطن» شعب وملوك ورؤساء وأمراء، وأرض وسيادة وعلم وأخلاق وشرف، أنت أيها «الوطن» التاريخ والصبا والشباب والشيخوخة، أنت الولادة وأنت الممات،عاش الإنسان قديماً لا يعرف من «الوطن» غير الأمان والدفء وكسرة الخبز وشربة تطفىء الظمأ. 
يصيد ويزرع ويرعى، يعمل ليأكل، ويجمع ليوزع، ويحكم ليعدل في «وطن» إستحق منه المحبة والعرفان.
وتتطور الحياة وتتبدل الأحوال، يبني الإنسان له سوراً ويقيم على أبوابه الحراس والخدم، ويضع على سقفه راية وعلم.
تألم ذلك الإنسان عندما وجد نفسه مضطراً لأن يخاف ويضحي من أجل «وطن» ليس له فيه من كرامة ولا يحسب له فيه من حساب.
كم أتذكر تأوهات رفاق لي في السلاح وهم يتذمرون ويدمدمون في خدمة علم «الوطن» الذي ليس لهم فيه من مسكن يأوون إليه، ولا زوجات تنتظرن عودتهم، ولا موائد عامرة لا بل خاوية ليس عليها من كثير زاد، وهم يروون أناساً يتغنون بقصائد نظمتها دماؤهم، ويرقصون على أشلاء ضحاياهم، ويفخرون بقصص استشهادهم.
قل لي بربك أيها «الوطن» أأنت مثل المقدسات علينا أن نخشاك، أم وثناً أو صنماً كهبل وعزى واللات؟
آه يا عظيم يا «وطن» يا مقدسة فيه المكارم والمكرمات، وبئساً لك من «وطن» لا يجد فيه إنسانك غير المذلة والظلم ووثنية أعلام، وغداً نفارق الحياة، واحد تلو الآخر، 
وعندما نلتقي سنتحدث عن «أوطان» مختلفة رغم أننا نحمل ذات الجنسية والجواز.