رؤية حول إشكالية التوفيق بين الغيبية والعقلانية في الفكر العربي الحديث
د. نزار محمود
من المؤكد أن تأثيرات الغيبية في الفكر العربي، على وجه التحديد، قد ترك بصماته العميقة في طبيعة وحدود تناول الموضوعات الحياتية للإنسان وما يحكمه من قوانين وقيم وعلاقات ورؤى، ويثير من الجدال الكثير حول موضوعات التنوير والحداثة وما بعدها والتي شقت طريقها بصعوبة في المجتمعات الاوروبية ذات الغالبية المسيحية، والتي أدت الى فصل الدين عن السياسة والتعليم وساهمت بالنهضة الكبيرة الذي تعيشه منذ القرون الوسطى على وجه الخصوص، إلى جانب ما حصل فيها من تطور في العلوم الصرفة والتطبيقية.
وفي هذا الشأن فلقد كان لمجموعة من الفلاسفة والمفكرين الاوروبيين من أمثال هيغل وكانت وجان جاك روسو وغوته ونيتشه وماركس وديكارت ولوك وغيرهم، دورهم الكبير في دفع إعمال العقل النقدي في خلق الفكر والمعرفة وصناعة التاريخ البشري والتحرر من القيود الغيبية وتفسيراتها الجامدة.
ولعلي لا أنطلق من باب التحيز اذا ادعيت ان الأمر يختلف مع الدين الاسلامي، لكننا لا يمكن أن نزكي حالنا تماماً في ما عاشه ويعيشه واقعنا من تفسيرات غيبية خيالية وغير منطقية وخرافية وأسطورية لديننا لا يقبلها العقل ولا تقرها البصيرة، لا سيما وأننا نعيش حالة تخلف في ميادين العلوم الوضعية، كما تسمى، من طبيعية واجتماعية وإنسانية وطبية وتقنية.
وكرد فعل على هذه الحال، لا بل وقبلها بفترات طويلة، ظهرت في عالمنا العربي والاسلامي حديثاً حركات وشخصيات متعددة تناولت، وفي إطار فلسفات متنوعة، موضوعات ما يمكن تسميته بالتنوير والتحديث في الفكر والموقف من القضايا الحياتية وما ورائها، لكنها كانت محفوفة دائماً بجدل وخطر موقفها من القضية الإيمانية الدينية وتفسيرات نصوصها.
إن العلاقة بين الغيبية والعقلانية كانت وستبقى إلى أمد لا يمكن تحديده مشكلة فلسفية تتطلب جهداً فكرية وشجاعة في بحث هذه العلاقة وتفسيرها أو التوفيق الايجابي بينها، وفي إطار روح العصر وفقهه من أجل سعادة الإنسان.
أتذكر أن أحد المعارف طرح علي يوماً سؤالاً مفاده، هل يمكنه معرفة الله تماماً؟ فكان جوابي: نعم، يمكنك ذلك، عندما تكون قد عرفت كل شيء في الكيمياء والفيزياء والرياضيات وجميع العلوم الاخرى، بتعبير بسيط: عندما تعلم كل شيء، وعندها يمكنك معرفة الله أثراً وعقلاً.
ستكون فرضيتي في التعامل مع اشكالية الغيبية والواقعية، وبكل بساطة، هو ان كل ما لا يدركه العقل، في لحظة ما، هو غيبي، حتى اذا ادركه خرج عن حدود الغيبية الى العقلانية وخضع لها، فلا يمكن، منطقياً، فرض رؤية غيبية على شيء أدرك كينونته العقل وسبر غوره، وحيث إنه من المحال بمكان، ولفترات طويلة لا يمكن التنبؤ ببعدها، الالمام بمكنونات الكون علماً وادراكاً، فسنبقى بحاجة الى «متمم» غيبي، إيماناً أو واقعاً لاجابات قد تبدو هلامية، عن أشياء لم ندركها عقلانية بعد، وسيبقى التعايش بين الغيبية والعقلانية في ميكانيكية تفاعل وتحاور وجدل وتسامح وتقبل للآخر، دون اكراه أو رفض أعمى.
إنني على يقين أنه لا تصلح غيبية لا تعمل إلا في غير صالح الانسان وسعادته، ولا تصح عقلانية لا تتمكن من الاجابة على جميع تساؤلاته وحاجاته الروحية والنفسية.