مشكلة التعفن السياسي
د. عبدالله يوسف سهر
قبل فترة طويلة، وتحديدا في عام 1965، كتب صاموئيل هنتغتون دراسة وافية حول التحديث والعفن السياسي في دول العالم الثالث، وقد نظر الى مجموعة من المتغيرات المهمة مثل النظم الاجتماعية والمؤسساتية والقيم والعادات والاعراف والمشاركة السياسية، وقد استنتج دراسته عدة نتائج أهمها هو بأن ما يعرف بالتحديث المجتمعي Social Modernization الذي إن لم يقترن بالمؤسسية، بمعنى الاحتكام للمؤسسات فإن مخرجات التنمية السياسية القائمة على المشاركة السياسية ستنحدر وتتحول الى حالة فساد ومنها الى مرحلة التعفن السياسي او ما اطلق عليه بـPolitical Decay. لقد اعتبر هنتغتون الفساد انعكاس لانحراف القيم والاعراف التي تنتج عن انحدار المؤسسية في المجتمعات النامية، حيث يتم الاتجاه نحو الشخصانية في السلوك السياسي العام ويكون الاشخاص هم المرجعية في الاحتكام بدل من المؤسسات، وبهذا الشكل يرتهن العمل عمل السلطات السياسية بمصالح الاشخاص وتوجهاتهم وتصوراتهم الخاصة وليس بالمصلحة العامة. 
مشكلة التعفن السياسي انه سيسحب الدولة الى شفا حفرة عدم الاستقرار السياسي، وذلك لما يحيط بها من مظاهر تتمثل في اتساع الفجوة بين الطموحات والواقع لدى الشعب، علاوة على انخفاض مستوى الحريات والمشاركة السياسية، وتغير في أنماط القيم والسلوك السياسي، واتساع الفجوة الاقتصادية بين الطبقات الامر الذي يقود الى انتشار الفقر والإحساس بالظلم وبقية الأمراض السياسية والاجتماعية المزمنة.
عند مقارنة الاطر النظرية التي استنتجها وتوقعها هنتجتون بالواقع الذي يدور حولنا، نجد بأن ملامح رئيسية من ذلك التحليل التاريخي قد بدأت في البروز ومنها اتساع الفجوة الاقتصادية وانحدار المؤسسية وتغير في منظمومة القيم الاجتماعية والسياسية علاوة على انتشار اليأس السياسي المبكر، وعدم الايمان بصيرورة القانون وسيادة مؤسسات الدولة واستبدالها بتغول سلطة الفئة والطائفة، وانتشار الشخصانية وتواضع الرشدانية في القرارات العامة، وتعزيز التصور السلبي العام بشأن انحدار المحاسبة والرقابة لصالح كفة المحسوبية والواسطة.
ان كل تلك الظواهر والمتغيرات يجب النظر اليها بعين الاعتبار لكونها قائمة على أسباب العلوم والتجارب العملية. صحيح ان هنتغتون لكي يقدم وصفة علاجية متكاملة لما وصفه من أعراض وامراض سياسية واقتصادية وسياسية التي تسبب حالة التعفن، ولكن بكل تأكيد بأنها تنذر بحالة من حالات عدم الاستقرار التي إن لم يتم علاجها وفق لأسس واقعية ومنطقية وخطوات علاجية «صعبة» للخلاص من تبعاتها فإن ما سنواجه قد يكون اصعب.