جائل في أرض الكاميكازي
أحمد مبارك البريكي
إفطار على رصيف المحطة، وانطلاقة على قطار الطلقة فائق السرعة، إلى أرض يابانية جديدة، محطة قطارات (الجي آر پاس) أو (الشينكانسن)، التي تربط كل قطعة من الجزيرة اليابانية الكبيرة، أدخلها اليوم لرمي عصفورين، تجربة القطار الأسرع في العالم، والتوغل بعيداً في بلاد الهيروهيتو، في صالة القدوم والمغادرة كانت هنا حفلة من السيقان الماترة في كل الجهات والتي لا ترتاح ولا تسكت حركتها من بزوغ أول شمس حتى رمق آخر غسق، ومشى القطار على عجل، ومحطتي هي بلدة «أتامي»، الهادئة الواقعة على المحيط الهادىء والتي تشتهر بينابيعها الساخنة القادمة من غور الأرض، وقد شاهدت بعض الفوهات الصغيرة الممتلئة بالماء الحار على جوانب الطرق، يجسّها العابرون بحذر وتجربة، وهي المدينة التي نسج فيها الروائي الياباني «أوزاكي كويو»، روايته عن قصة الشك بين كانيجي وأومايا، أشهر القصص في الأدب الياباني، واللذان صُب لهما تمثالان من البرونز في أبرز مكان من المدينة، كان مقصدي مرفأ أتامي حينما ظفرتُ بتوقف عند هذه القصة وهذا التمثال، تتحرك الباخرة الصغيرة في المحيط الأزرق الكبير، والمقصد جزيرة «هاتسوشيما»، البركانية التي تبعد قرابة الأربعين دقيقة من المرسى، وهي واحدة من عدة جزر بركانية تتحلّق قرابة خانق الماريانا العظيم حيث حلقة النار، وحدود الزلازل والبراكين تحت المائية في المحيط الباسيفيكي، وعند نزولي في الجزيرة التي من الممكن أن تأخذها مشياً بالطول والعرض بنصف ساعة فقط، وجدت لافتة تشير لكارثة تسونامي التي حدثت في عام2011، وتخبر اللافتة بالارتفاع الذي وصلته المياه على أرض الجزيرة، حيث غطتها جميعها بارتفاع الموج الذي وصل إلى أكثر من تسعة أمتار، فكرت وأنا أقف تحت اليافطة بأنه ربما كان هذا الهدوء الجميل الذي يملأ أرجاء الجزيرة الرافهة، هو الذي يستبق العاصفة المدمرة.
وتحرّك القطار مرة جديدة، وهذه المرة مقصدي بلدة غوتيمبا في قلب جزيرة هونشو، ها أنا أعيش التجوّل في بلاد الكاميكازي، صديقي الطريق، ومؤونتي التوق وراحلتي الحكايات، أحزم حقائبي وأسير، والنهارات لا تنتظر كسولاً، في بحيرة ياماناكا الصافية، والتي تقطعها الباصات البرمائية العجيبة، متباطئة في البر محمولة بالسيّاح حتى لا تبرح إلا وتزحف في عمق الماء والناس على متنها كل ممسك (جوّاله)، ويهمّ بالصورة، تجربة جميلة عشتها صورة وتصورا، وفي القرية العالمية التي تقع على سفح تلة «أوشينو هاكاي» تذوقت حلوى الموتشي وهي أشهر أطباق الحلوى اليابانية، وشاهدت آلة حرق الكستناء التقليدية التي تشبه القاطرة، وعشت اليابان بكل لذتها، حتى هجمت قطعان الثلج هناك في أقصى الجبال، وراحت تسافر كرياتها البيضاء من السماء وجهتها الأرض وأنا في معركة النقاء، أنازعُ رفائف»السنوّات» اللطيفة النازلة، حتى تبدلت القيعان بغير أعشابها، والينابيع بغير مائها، ومُسح كل شيء، فصارت الأرجاء صفحة بيضاء جديدة تنتظر خطّ أقلام الأيام الدافئة، وبعد اشتداد الصقيع، عزمت على ركوب الحافلة والرجوع إلى مأواي القريب الذي سأمضي فيه ليلتي.