العرب ومعارك الرمال المتحركة


ربما كان مشهد «عنترة بن شداد» الذي قام بتمثيله فريد شوقي، أول ما شاهدته وأنا صبي عن ما يعنيه الحراك في مطبات الرمال المتحركة. ولولا لطف القدر لكانت أكوام الرمال قد طمرت وأنهت حياة فارس بني عبس المغوار.
ولنا في ذلك كثير من العبر التي لم نتعظ بها بعد، نحن العرب.
أولها، وجوب تجنبنا حفر الرمال المتحركة، وثانيها، عدم الحركة عند الانزلاق فيها، ناهيك عن الصراعات في داخلها.
لكننا نحن العرب، لا يشغلنا أكثر من البحث والركض وراء معارك الرمال المتحركة وطواحين الهواء!
وفي المقال أركز على نمطين من تلك المعارك العقيمة والمهلكة:
أولاً: المعارك والمناكفات والتناحرات الداخلية والمحلية
ليس هناك من بلد عربي لا تلعب فيه المشاكل الداخلية: عرقية أو قبائلية وعشائرية أو دينية وطائفية أو مناطقية أو طبقية، وجميعها يرتدي أثواباً سياسية أو حزبية، ويدعي حرصه على المصلحة العامة ومستقبل ومصير الشعب والبلاد.
واذا ما عدنا لنمعن النظر في أسبابها وتداعياتها لأدركنا، غالباً، قصر نظر تلك الأسباب وكارثية تلك التداعيات.
لقد دفعت الشعوب أثماناً باهضة في ضياع أرواح أبنائها وثرواتها وما لحق بها من ضعف وهوان.
ألم يحن الأوان ليجلس الفرقاء القوميون والسياسيون والطائفيون ليراجعوا كشوف حساباتهم الوطنية ويقفوا على ما حققوه وما حل بهم بسبب ذلك؟
لم تحقق جميع الأطراف سوى ذهاب ريحهم في تناحرهم، فكانوا خاسرين جميعاً. عليهم أن يمتلكوا الثقة بالنفس والجرأة والوطنية، لكي يعترفوا جميعاً بأنهم كانت قد تملكتهم العصبية القبلية والسياسية وأعمتهم الطائفية والأنا الأنانية، فأقصوا بعضهم وتذابحوا بينهم وتناهبوا ثروات شعوبهم أو هدروها.
ثانياً: المشاكل الإقليمية بين العرب
ليس هناك بلدان عربيان متجاوران لا يقوم بينهما صراع سياسي أو اقتصادي أو حتى صراع سيادي.
أتساءل: لماذا؟ هل هي أسباب ودوافع ذاتية، أم أسباب ودوافع تحركها أياد خارجية خفية، تستغل استعداداتنا للتناحر، وتقبل التعامل والتعاون مع الأجنبي من أجل مصالحها الضيقة أو لتنفيذ أجنداته؟
ليست قليلة هي حالات الاختلافات والخلافات بين دولنا العربية التي وصلت حد النزاعات العسكرية أحياناً.
أليس تلك الخلافات العربية ومعاركها خوض وحركة عبثية في رمال متحركة ندفع جميعاً ثمنها؟ ألم نكن بحاجة إلى ما نضيعه من أموال وفرص تعاون وتعاضد وتقدم في سبيل نمونا وتنميتنا الاقتصادية والاجتماعية؟
ألسنا في ذلك نصارع طواحين الهواء ونهوي إلى أعماق حفر الرمال المتحركة؟
أعود في الختام لتساؤلات تأملية:
ما الذي يحرك فينا نحن العرب خلافاتنا العقيمة؟
أهو التخلف والعجز عن مواكبة تطور الحياة؟ أهي أمراض أصابت نفوسنا في عدوانية وتناحرية؟ أهو الفراغ وانشغالنا بأمور تافهة وجدل «فكري» عقيم لا يراد له أن يصل إلى نتيجة عملية نافعة؟ أهو ما أصاب ثقافتنا الاجتماعية من قيل وقال وغيبة ونميمة وتسقيط للآخرين؟ أهو الشعور بالهزيمة والاستسلام وفقدان الأمل في حياة كريمة؟ أهو فقداننا لثقتنا في أنفسنا واحترامنا لذاتنا؟
هل أصبحت معارك رمالنا المتحركة ضرباً من ماسوخية وجلد للذات؟ أم أنها تدور فقط حول الغنائم الشخصية؟!