الثوابت.. لنركز عليها


قبل أن نتناول موضوع الثوابت التي يجب أم نركز عليها في مناهج حياتنا علينا أن نتعرف على الثوابت ونطاقها، فالثوابت هي الأحكام الشرعية الدائمة التي لا تتغير بتغير الزمان. والمراد بـ «عموم الأحكام المتضمنة نص الشارع»، وكذلك الأثر المتعلق بهذا النص. نطاق الثوابت ومعرفة مساحة الثوابت وحدودها  لأن معرفتها في كونها سنناً لا تتبدل، وبالنظر إلى عموم الثوابت نجد أن هناك قسمين لها: الأول: الأحكام الثابتة في جميع الشرائع، وهي مما لا يَختلف حكمها باختلاف الأحوال والأزمان، ولم يجر فيها النّسخ والتبديل أبداً وقد قال ما يُقطع بأن الشرع لم يُبح منه شيئاً لا لضرورة ولا لغير ضرورة، كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم والظلم المحض، وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (الأعراف: 33) والثاني: هو الثوابت في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت أصول تلك الثوابت وبعض فروعها، داخلةً في القسم الأول، أي أنها من الثوابت في جميع الشرائع. وهذه الثوابت ما ثبت عن الرسول من الكتاب والسنة، وهذا الشرع يجب على الأولين والآخرين اتباعه، وأفضل أولياء الله أكملهم اتباعاً له.. وأما المؤوّل، فهو ما اجتهد فيه العلماء من الأحكام، فهذا من قلّد فيه إماماً من الأئمة ساغ ذلك له، ولا يجب على الناس التزام قول إمام معين.. وأما الشرع المُبدّل، فهو الأحاديث المكذوبة والتفاسير المقلوبة والبدع المضِلّة التي أُدخلت في الشرع وليست منه.. والحكم بغير ما أنزل الله، فهذا ونحوه لا يحل لأحد اتباعه. الثوابت تشمل: جملة القواطع المضمونية، والتي هي العقائد والعبادات والمقدرات وأصول المعاملات والفضائل وكيفيات بعض المعاملات. وتشمل كذلك القواطع المنهجية، وذلك على نحو الجمع بين الكليات والجزئيات والنظرة الشمولية ومراعاة التدرج والأولويات في معالجة الأمور والنصوص الشرعية القطعية فهذه ثابتة بوعد الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، [الحجر:9]. فالنص الشرعي إما أن يكون قطعياً، وإما أن يكون ظنياً، «فإن كان قطعياً فلا إشكال في اعتباره، كأدلة وجوب الطهارة من الحدث، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتماع الكلمة، والعدل، وأشباه ذلك. وإن كان ظنياً فإما أن يرجع إلى أصل قطعي أو لا، فإن رجع إلى قطعي فهو معتبر أيضاً، وإن لم يرجع وجب التثبت فيه ولم يصح إطلاق القول بقبوله وكذلك الظني الراجع إلى أصل قطعي إعماله أيضاً ظاهر، وعليه عامة أخبار الآحاد، فإنها بيان للكتاب، لقوله تعالى: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» [النحل من الآية:44]. ومثال ذلك ما جاء في الأحاديث من صفة الطهارة الصغرى والكبرى، والصلاة والحج، وغير ذلك مما هو بيان لنص الكتاب والمبادئ الأخلاقية: فإن القيم والمبادئ الأخلاقية في الإسلام لا تتغير ولا تتبدل، «والمقصود بالثبات في الأخلاق هو استمرار الفضيلة الخلقية المستحسنة، والتسليم بها مثالاً للسلوك المحمود، فالصدق 
في المعاملة، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد؛ كلها فضائل خلقية ثابتة مستقرة ومحمودة في كل زمان لما لها من الآثار الخيرة والثمار الكريمة.