نظرية كانط في القانون الأخلاقي


هل تتعارض حيلة سيدنا يوسف مع إخوته لاستبقاء أخيه عنده مع نظرية كانط في القانون الأخلاقي؟ وإذا كان الجواب نعم، فما هو موقف الله من سيدنا يوسف في ذلك الفعل؟ فإذا كان الله راضيا عنه وعمله مرض هل هذا أقوى حجة على أن كانط مخطئ في مثاليته وتشدده وأن الاستثناءات موجودة؟ فإذا كان الجواب نعم فما الذي يحدد إطار الحالات الخاصة التي تحدث معها الاستثناءات ويبقى كل ذلك ضمن القانون الأخلاقي الصحيح؟
سؤال تم طرحه من أحد الإخوة الأعزاء وأحببت السؤال كثيراً لذلك أحببت أيضاً مشاركتكم إياه ههنا مع إجابتي التالية:
حيلة نبي الله يوسف عليه السلام لا تدخل في باب الأخلاق عند الفيلسوف كانط مطلقاً، لأنه بكل بساطة لا يمكن الأخذ بها كقانون عملي كوني! 
فكانط يعطي للأخلاق تعريفاَ مختلفاً عن باقي المفكرين...
الأخلاق بالنسبة إليه ليست أمراً نتخذه من خلال تجربة ما، حتى وإن نجحت هذه التجربة، بل تستنبط من خلال العقل المحض أو الخالص فقط، ويجب أن تكون صحيحة لكل مكان وكل زمان ومع كل إنسان.
أما بالنسبة لسؤال هل الله راض عن هذا العمل، فبما أن الله عز وجل قد أخبرنا في القرآن عن خبر يوسف عليه السلام وإخوته، وكيف كانت نهاية قصتهم، فباعتقادي أن هذه الحيلة كانت إلهاما منه سبحانه وتعالى لنبيه لكي يستطيع إبقاء أخيه معه من ناحية، ومن ناحية أخرى لكي يندم ويتوب إخوته البقية على ما فعلوه به وبأباهم.
كانت هناك حكمة عظيمة خلف هذه الحيلة، وباعتقادي إن لم يكن قد سمح الله تعالى ليوسف عليه السلام بالقيام بهذه الحيلة، وإن لم يكن لدى يوسف خبر وعلم من عند الله تعالى عنها لما قام بها أصلاً... 
وهنا نستطيع القول إن هناك تشابها بين قصة يوسف وقصة الخضر عليهما السلام، فهذا الأخير قام أيضاً بأعمال لا تعتبر أخلاقية، أولاً لم تكن كذلك بالنسبة لنبي الله موسى عليه السلام الذي كان يعترض على كل موقف فوراً، وبالنسبة لأي منّا أيضاً، قبل أن نتكلم حتى عن الأخلاق عند كانط! لأنه إن لم يكن لدينا خبر عن أسباب ما فعله الخضر عليه 
السلام ولم نكن قد قرأنا القرآن وعرفنا سورة الكهف وعن القصص التي يخبرنا الله عنها فيها، فأي منا ليس بحاجة للنظر إلى فلسفة كانط أو غيره لكي يعتبر فعل الخضر عملاَ لاأخلاقياً على الإطلاق! 
فهل يقول لنا عقلنا بأنه من الأخلاق أن نثقب سفينة أناس طيبين وكريمين معنا ونعرضها للغرق؟ أو أن نقتل غلاماً فور أن نلقاه في الشارع يمشي؟ 
لكن الله اختص عبده بعلم خاص ورحمة خاصة من أجل هدف خاص! 
أما بالنسبة لفلسفة كانط الأخلاقية فهي لا تقبل أبداً بأن يكون هناك حالات خاصة، فالأخلاق كونية ويجب أن يكون كل فعل أخلاقي نقوم به هو فعل يجب أن يقوم به كل الناس في كل مكان وزمان.
فهل تريد أن يحتال الناس عليك؟ طبعاً لا!
هل تريد أن تُقْتَل؟ أكيد لا! 
هل تريد أن يثقب شخص حملته معك بسفينتك؟ طبعاَ لا! أليس كذلك؟ 
لكن هذه الأمور حصلت بأمر من الله تعالى لحكمة عظيمة ورحمة أعظم..
لذلك يسأل الخضر نبينا موسى عليهما السلام: 
«وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟» 
السؤال الكوني...
نعم..
فكيف يصبر الإنسان على أمر ظاهره شر بلا رحمة وبلا أخلاق، وهو غير مطلع على المستقبل والغيب ليعلم الخير العظيم خلف هذا الأمر؟ 
طبعاَ كل هذا يدخل في باب الغيبيات التي لا علم لنا بها، ولم أطلع على رأي كانط بالنسبة للأمور الغيبية! لكن باعتقادي هذا لا ينفي أن مفهوم كانط للأخلاق مفهوم ذو أهمية لأنه يعلمنا كيف نفرق بين فعل كوني وبين فعل استثنائي، وأن مبدأ القانون الأخلاقي العملي يجب أن يكون اختياره على أساس: 
«افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك بوصفها دائماً وفي الوقت نفسه غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة».
هذا القانون باعتقادي يسمح لنا نحن البشر في البحث عن قوانين أخلاقية عامة وكونية، حتى وإن لم نتفق تماماً وبشكل مطلق مع كانط!